سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٤٦
قال : وكتب محمد بن أبي بكر إلى عمرو بن العاص جواب كتابه : أما بعد فقد فهمت كتابك وعلمت ما ذكرت ، وزعمت أنك لا تحب أن يصيبني منك ظفر ، فأشهد بالله إنك لمن المبطلين ، وزعمت أنك لي ناصح ، وأقسم أنك عندي ظنين ، وزعمت أن أهل البلد قد رفضوني وندموا على اتباعي ، فأولئك حزبك وحزب الشيطان الرجيم ، حسبنا الله رب العالمين ونعم الوكيل ، وتوكلت على الله العزيز الرحيم ، رب العرش العظيم .
قال : وأقبل عمرو بن العاص فقصد مصر ، فقام محمد بن أبي بكر في الناس فحمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد ( ( ٨ ) ) ثم قال : أما بعد يا معشر المؤمنين فإن القوم الذين كانوا ينتهكون الحرمة ، وينعشون الضلالة ، ويشبون نار الفتنة ، ويستطيلون بالجبرية ، قد نصبوا لكم العداوة وساروا إليكم بالجنود فمن أراد الجنة والمغفرة فليخرج إلى هؤلاء القوم فليجالدهم في الله . إنتدبوا إلى هؤلاء رحمكم الله ، مع كنانة بن بشر ، ومن يجيب معه من كندة . فانتدب معه ألفا رجل ، وخرج محمد في نحو ألفين ، واستقبل عمرو كنانة وهو على مقدمة محمد ، فأقبل عمرو نحو كنانة ، فلما دنا منه سرح نحوه الكتائب كتيبة بعد كتيبة ، فجعل كنانة لا يأتيه كتيبة من كتائب أهل الشام ، إلا شد عليها بمن معه فيضربها حتى يلحقها بعمرو ، ففعل ذلك مراراً ، فلما رأى عمرو ذلك بعث إلى معاوية بن حديج الكندي ، فأتاه في مثل الدهم فلما رأى كنانة ذلك الجيش ، نزل عن فرسه ونزل معه أصحابه ، فضاربهم بسيفه وهو يقول : وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلا بِإِذْنِ اللهِ كِتَابًا مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الأَخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِى الشَّاكِرِينَ . ثم ضاربهم بسيفه حتى استشهد ( رحمه الله ) . وإن عمرو بن العاص لما قتل كنانة أقبل نحو محمد بن أبي بكر ، وقد تفرق عنه أصحابه ، فلما رأى ذلك محمد خرج يمضي في الطريق حتى انتهى إلى خربة في ناحية الطريق فأوى إليها .
وجاء عمرو بن العاص حتى دخل الفسطاط ، وخرج معاوية بن حديج في طلب محمد بن أبي بكر ، حتى انتهى إلى علوج على قارعة الطريق فسألهم : هل مر بكم أحد تنكرونه ؟ قالوا : لا ، فقال أحدهم : إني دخلت تلك الخربة فإذا أنا فيها برجل جالس . فقال ابن حديج : هو هو ورب الكعبة ، فانطلقوا يركضون حتى دخلوا عليه