سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٤١٠
وأشجعهم قلباً ، وأشدهم يقيناً ، وأحسنهم عملاً ، وأعرفهم بالأمور . كنت والله يعسوباً للدين أولاً وآخراً : الأول حين تفرق الناس ، والآخر حين فشلوا ! كنت للمؤمنين أباً رحيماً ، إذ صاروا عليك عيالاً ، فحملت أثقال ما عنه ضعفوا ، وحفظت ما أضاعوا ، ورعيت ما أهملوا ، وشمرت إذ اجتمعوا ، وعلوت إذ هلعوا ، وصبرت إذ أسرعوا ، وأدركت أوتار ما طلبوا ، ونالوا بك ما لم يحتسبوا .
كنت على الكافرين عذاباً صباً ونهباً ، وللمؤمنين عمَداً وحصناً ، فطرت والله بنعمائها وفزت بحبائها ، وأحرزت سوابقها ، وذهبت بفضائلها ، لم تُفلل حجتك ، ولم يَزِغ قلبك ولم تضعف بصيرتك ، ولم تَجْبُنْ نفسك ولم تَخِرَّ .
كنت كالجبل لا تحركه العواصف . وكنت كما قال : أمِن الناس في صحبتك وذات يدك ، وكنت كما قال : ضعيفاً في بدنك قوياً في أمر الله ، متواضعاً في نفسك عظيماً عند الله ، كبيراً في الأرض جليلاً عند المؤمنين . لم يكن لأحد فيك مهمز ، ولا لقائل فيك مغمز ، ولا لأحد فيك مطمع ، ولا لأحد عندك هوادة ، الضعيف الذليل عندك قوي عزيز حتى تأخذ له بحقه ، والقوي العزيز عندك ضعيف ذليل حتى تأخذ منه الحق ، والقريب والبعيد عندك في ذلك سواء ، شأنك الحق والصدق والرفق ، وقولك حكمٌ وحتم ، وأمرك حلمٌ وحزم ، ورأيك علمٌ وعزم فيما فعلت .
وقد نهجت السبيل ، وسهلت العسير ، وأطفأت النيران ، واعتدل بك الدين ، وقوي بك الإسلام ، فظهر أمرالله ولو كره الكافرون ، وثبَتَ بك الإسلام والمؤمنون ، وسبقت سبقاً بعيداً ، وأتعبت من بعدك تعباً شديداً ، فجللت عن البكاء ، وعظمت رزيتك في السماء ، وهدت مصيبتك الأنام ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، رضينا عن الله قضاه ، وسلمنا لله أمره ، فوالله لن يصابَ المسلمون بمثلك أبداً . كنت للمؤمنين كهفاً وحصناً ، وقُنَّةً راسياً ، وعلى الكافرين غلظة وغيظاً ، فألحقك الله بنبيه ، ولا أحرمنا أجرك ، ولا أضلنا بعدك .
وسكت القوم حتى انقضى كلامه ، وبكى وبكى أصحاب رسول الله ( ( ٨ ) ) ، ثم طلبوه فلم يصادفوه ) .
وهذه الخطبة تعزية وزيارة ، وشهادة في حق أمير المؤمنين ( ٧ ) ، ونصها دليل على أنها