سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٤٠
إن فزع ذلك اليوم ليرهب الملائكة الذين لا ذنب لهم ، وترعد منه السبع الشداد ، والجبال الأوتاد ، والأرض المهاد ، وتنشق السماء فهي يومئذ واهية ، وتصير وردة كالدهان ، وتكون الجبال كثيباً مهيلاً بعد ما كانت صُمّاً صِلاباً ، وينفخ في الصور فيفزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله . فكيف من عصى بالسمع والبصر واللسان واليد والرجل والفرج والبطن ، إن لم يغفر الله له ويرحمه من ذلك اليوم ، لأنه يقضي ويصير إلى غيره ، إلى نار قعرها بعيد ، وحرها شديد ، وشرابها صديد ، وعذابها جديد ، ومقامعها حديد . لا يفتر عذابها ، ولا يموت سكانها . دار ليس فيها رحمة ، ولا يسمع لأهلها دعوة .
واعلموا يا عباد الله ، أن مع هذا رحمة الله التي لاتعجز عن العباد ، وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ للَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ، خيرٌ لا يكون معها شرٌّ أبداً ، لذَّاتها لاتمل ، ومجتمعها لايتفرق ، سكانها قد جاوروا الرحمن وقام بين أيديهم الغلمان ، بصحاف من الذهب فيها الفاكهة والريحان .
ثم اعلم يا محمد بن أبي بكر ، أني قد وليتك أعظم أجنادي في نفسي : أهل مصر ، فإذْ وليتك ما وليتك من أمر الناس ، فأنت حقيق أن تخاف منه على نفسك ، وأن تحذر منه على دينك ، فإن استطعت أن لا تسخط ربك عز وجل برضا أحد من خلقه فافعل ، فإن في الله عز وجل خلفاً من غيره ، وليس في شئ سواه خلف منه . إشتدَّ على الظالم وخذ عليه ، ولن لأهل الخير وقربهم ، واجعلهم بطانتك وإخوانك . وانظر إلى صلاتك كيف هي ، فإنك إمام القوم ينبغي لك أن تتمها ولاتخففها ، فليس من إمام يصلي بقوم يكون في صلاتهم نقصان إلا كان عليه . وتممها وتحفظ فيها يكن لك مثل أجورهم ، ولا ينقص ذلك من أجرهم شيئاً .
ثم انظر إلى الوضوء فإنه من تمام الصلاة ، وتمضمض ثلاث مرات ، واستنشق ثلاثاً ، واغسل وجهك ، ثم يدك اليمنى ، ثم يدك اليسرى ، ثم امسح رأسك ورجليك ، فإني رأيت رسول الله ( ( ٨ ) ) يصنع ذلك . واعلم أن الوضوء نصف الإيمان . ثم ارتقب وقت الصلاة فصلها لوقتها ، ولا تعجل بها قبله لفراغ ، ولا تؤخرها عنه لشغل ،