سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٣٩٥
منه هاربه ، ولا بد أنه مدركه ، فكن منه على حذر أن يدركك وأنت على حال سيئة قد كنت تحدث نفسك منها بالتوبة فيحول بينك وبين ذلك ، فإذا أنت قد أهلكت نفسك .
يا بني ، أكثر من ذكرالموت وذكر ما تهجم عليه وتفضي بعد الموت إليه حتى يأتيك وقد أخذت منه حذرك ، وشددت له أزرك ، ولا يأتيك بغتة فيبهرك .
لا تغتر بنعومة الدنيا ورفاهيتها
وإياك أن تغتر بما ترى من إخلاد أهل الدنيا إليها ، وتكالبهم عليها ، فقد نبأك الله عنها ، ونعت لك نفسها ، وتكشفت لك عن مساويها ، فإنما أهلها كلاب عاوية ، وسباع ضارية ، يهر بعضها بعضاً ، ويأكل عزيزها ذليلها ، ويقهر كبيرها صغيرها . نعم معقلة ، وأخرى مهملة قد أضلت عقولها وركبت مجهولها ، سروح عاهة بواد وعث . ليس لها راع يقيمها ، ولا مقيم يسيمها . سلكت بهم الدنيا طريق العمى ، وأخذت بأبصارهم عن منار الهدى ، فتاهوا في حيرتها ، وغرقوا في نعمتها ، واتخذوها ربا ، فلعبت بهم ولعبوا بها ونسوا ما وراءها ! رويدا يسفر الظلام ، كأن قد وردت الأظعان .
يوشك من أسرع أن يلحق . واعلم أن من كانت مطيته الليل والنهار فإنه يسار به وإن كان واقفاً ، ويقطع المسافة وإن كان مقيماً وادعاً .
الإجمال في طلب الرزق والنبل في السلوك
واعلم يقيناً أنك لن تبلغ أملك ولن تعدو أجلك ، وأنك في سبيل من كان قبلك . فخفض في الطلب ، وأجمل في المكتسب فإنه رب طلب قد جر إلى حرب . فليس كل طالب بمرزوق ، ولا كل مجمل بمحروم .
وأكرم نفسك عن كل دنية وإن ساقتك إلى الرغائب فإنك لن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضاً ، ولا تكن عبدغيرك وقد جعلك الله حراً . وما خير خير لا ينال إلا بشر ، ويسر لا ينال إلا بعسر ، وإياك أن توجف بك مطايا الطمع فتوردك