سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٣٩٤
فلعلك تطلبه فلا تجده . واغتنم من استقرضك في حال غناك ليجعل قضاءه لك في يوم عسرتك ، واعلم أن أمامك عقبة كؤوداً ، المخف فيها أحسن حالاً من المثقل ، والمبطئ عليها أقبح حالاً من المسرع ، وأن مهبطك بها لا محالة على جنة أو على نار . فارتد لنفسك قبل نزولك ووطئ المنزل قبل حلولك ، فليس بعد الموت مستعتب ، ولا إلى الدنيا منصرف .
تعليم الولد الدعاء والتوبة
واعلم أن الذي بيده خزائن السماوات والأرض قد أذن لك في الدعاء وتكفل لك بالإجابة ، وأمرك أن تسأله ليعطيك وتسترحمه ليرحمك ، ولم يجعل بينك وبينه من يحجبه عنك ، ولم يلجئك إلى من يشفع لك إليه ، ولم يمنعك إن أسأت من التوبة ، ولم يعاجلك بالنقمة ، ولم يعيرك بالإنابة ولم يفضحك حيث الفضيحة بك أولى ، ولم يشدد عليك في قبول الإنابة ، ولم يناقشك بالجريمة ، ولم يؤيسك من الرحمة . بل جعل نزوعك عن الذنب حسنة ، وحسب سيئتك واحدة ، وحسب حسنتك عشراً ، وفتح لك باب المتاب . فإذا ناديته سمع نداءك ، وإذا ناجيته علم نجواك فأفضيت إليه بحاجتك ، وأبثثته ذات نفسك ، وشكوت إليه همومك ، واستكشفته كروبك ، واستعنته على أمورك ، وسألته من خزائن رحمته ما لا يقدر على إعطائه غيرُه من زيادة الأعمار وصحة الأبدان وسعة الأرزاق . ثم جعل في يديك مفاتيح خزائنه بما أذن لك من مسألته ، فمتى شئت استفتحت بالدعاء أبواب نعمته واستمطرت شآبيب رحمته . فلا يقنطنك إبطاء إجابته فإن العطية على قدر النية . وربما أخرت عنك الإجابة ليكون ذلك أعظم لأجر السائل وأجزل لعطاء الآمل . وربما سألت الشئ فلا تؤتاه وأوتيت خيرا منه عاجلاً أو آجلاً ، أو صرف عنك لما هو خير لك . فلرب أمر قد طلبته فيه هلاك دينك لو أوتيته . فلتكن مسألتك فيما يبقى لك جماله وينفى عنك وباله . فالمال لا يبقى لك ولا تبقى له .
واعلم أنك إنما خلقت للآخرة لا للدنيا ، وللفناء لا للبقاء ، وللموت لا للحياة ، وأنك في منزل قلعة ودار بلغة ، وطريق إلى الآخرة ، وأنك طريد الموت الذي لا ينجو