سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٣٩٣
مقايسة الدنيا بالآخرة
يا بني ، إني قد أنبأتك عن الدنيا وحالها وزوالها وانتقالها ، وأنبأتك عن الآخرة وما أعد لأهلها فيها ، وضربت لك فيهما الأمثال ، لتعتبر بها وتحذو عليها . إنما مثل من خبر الدنيا كمثل قوم سفر ، نبا بهم منزل جديب ، فأموا منزلاً خصيباً وجناباً مريعاً فاحتملوا وعثاء الطريق وفراق الصديق ، وخشونة السفر ، وجشوبة المطعم ليأتوا سعة دارهم ومنزل قرارهم ، فليس يجدون لشئ من ذلك ألماً ، ولا يرون نفقة مغرماً ، ولا شئ أحب إليهم مما قربهم من منزلهم ، وأدناهم من محلهم . ومثل من اغتر بها كمثل قوم كانوا بمنزل خصيب فنبا بهم إلى منزل جديب ، فليس شئ أكره إليهم ولا أفظع عندهم من مفارقة ما كانوا فيه ، إلى ما يهجمون عليه ويصيرون إليه .
ميزان التعامل مع الناس والهدف من العمل
يا بني ، اجعل نفسك ميزاناً فيما بينك وبين غيرك ، فأحبب لغيرك ما تحب لنفسك ، واكره له ما تكره لها ، ولا تظلم كما لا تحب أن تظلم ، وأحسن كما تحب أن يحسن إليك . واستقبح من نفسك ما تستقبح من غيرك ، وأرض من الناس بما ترضاه لهم من نفسك .
ولا تقل ما لا تعلم وإن قل ما تعلم ، ولا تقل ما لا تحب أن يقال لك واعلم أن الإعجاب ضد الصواب وآفة الألباب . فاسع في كدحك ولا تكن خازناً لغيرك . وإذا أنت هديت لقصدك ، فكن أخشع ما تكون لربك واعلم أن أمامك طريقاً ذا مسافة بعيدة ومشقة شديدة ، وأنه لاغنى لك فيه عن حسن الإرتياد . قدر بلاغك من الزاد مع خفة الظهر ، فلا تحملن على ظهرك فوق طاقتك فيكون ثقل ذلك وبالاً عليك .
وإذا وجدت من أهل الفاقة من يحمل لك زادك إلى يوم القيامة فيوافيك به غداً حيث تحتاج إليه فاغتنمه وحمله إياه . وأكثر من تزويده وأنت قادر عليه ،