سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٣٩١
أخذ العبرة من الدنيا وتعليمها للولد
أي بني ، إني وإن لم أكن عمرت عمر من كان قبلي ، فقد نظرت في أعمالهم ، وفكرت في أخبارهم ، وسرت في آثارهم ، حتى عدت كأحدهم . بل كأني بما انتمى إلي من أمورهم ، قد عمرت مع أولهم إلى آخرهم ، فعرفت صفو ذلك من كدره ، ونفعه من ضرره ، فاستخلصت لك من كل أمر نخيله وتوخيت لك جميله ، وصرفت عنك مجهوله ، ورأيت حيث عناني من أمرك ما يعني الوالد الشفيق ، وأجمعت عليه من أدبك أن يكون ذلك وأنت مقبل العمر ومقتبل الدهر ، ذو نية سليمة ونفس صافية ، وأن أبتدئك بتعليم كتاب الله وتأويله ، وشرائع الإسلام وأحكامه ، وحلاله وحرامه ، لا أجاوز ذلك بك إلى غيره .
ثم أشفقت أن يلتبس عليك ما اختلف الناس فيه من أهوائهم وآرائهم مثل الذي التبس عليهم ، فكان إحكام ذلك على ما كرهت من تنبيهك له ، أحب إلي من إسلامك إلى أمر لا آمن عليك به الهلكة . ورجوت أن يوفقك الله فيه لرشدك ، وأن يهديك لقصدك ، فعهدت إليك وصيتي هذه .
تعليم الولد كيف يبني أفكاره
واعلم يا بني أن أحب ما أنت آخذ به إلي من وصيتي تقوى الله والاقتصار على ما فرضه الله عليك ، والأخذ بما مضى عليه الأولون من آبائك ، والصالحون من أهل بيتك ، فإنهم لم يدعوا أن نظروا لأنفسهم كما أنت ناظر ، وفكروا كما أنت مفكر ، ثم ردهم آخر ذلك إلى الأخذ بما عرفوا والإمساك عما لم يكلفوا . فإن أبت نفسك أن تقبل ذلك دون أن تعلم كما علموا ، فليكن طلبك ذلك بتفهم وتعلم ، لا بتورط الشبهات وعلو الخصومات . وابدأ قبل نظرك في ذلك بالاستعانة بإلهك والرغبة إليه في توفيقك وترك كل شائبة أولجتك في شبهة ،
أو أسلمتك إلى ضلالة .
فإذا أيقنت أن قد صفا قلبك فخشع ، وتم رأيك فاجتمع ، وكان همك في ذلك