سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٣٩٠
الموت ، وقرره بالفناء ، وبصره فجائع الدنيا ، وحذره صولة الدهر ، وفحش تقلب الليالي والأيام ، واعرض عليه أخبار الماضين ، وذكره بما أصاب من كان قبلك من الأولين ، وسر في ديارهم وآثارهم ، فانظر فيما فعلوا وعما انتقلوا وأين حلوا ونزلوا ، فإنك تجدهم قد انتقلوا عن الأحبة ، وحلوا ديار الغربة ، وكأنك عن قليل قد صرت كأحدهم ، فأصلح مثواك ، ولا تبع آخرتك بدنياك ، ودع القول فيما لا تعرف والخطاب فيما لم تكلف ، وأمسك عن طريق إذا خفت ضلالته ، فإن الكف عند حيرة الضلال خير من ركوب الأهوال .
وجوب القيام بالمسؤولية الاجتماعية
وأمر بالمعروف تكن من أهله ، وأنكر المنكر بيدك ولسانك ، وباين من فعله بجهدك ، وجاهد في الله حق جهاده ، ولا تأخذك في الله لومة لائم .
وخض الغمرات للحق حيث كان ، وتفقه في الدين ، وعود نفسك التصبر على المكروه ، ونعم الخلق التصبر . وألجئ نفسك في الأمور كلها إلى إلهك ، فإنك تلجؤها إلى كهف حريز ، ومانع عزيز . وأخلص في المسألة لربك فإن بيده العطاء والحرمان ، وأكثر الاستخارة ، وتفهم وصيتي ، ولا تذهبن عنها صفحاً ، فإن خير القول ما نفع . واعلم أنه لاخير في علم لا ينفع ، ولا ينتفع بعلم لا يحق تعلمه .
تعليم الآباء المبادرة لتربية أولادهم
أي بني ، إني لما رأيتني قد بلغت سناً ، ورأيتني أزداد وهناً ، بادرت بوصيتي إليك ، وأوردت خصالاً منها قبل أن يعجل بي أجلي دون أن أفضي إليك بما في نفسي ، وأن أنقص في رأيي كما نقصت في جسمي ، أو يسبقني إليك بعض غلبات الهوى وفتن الدنيا ، فتكون كالصعب النفور ، وإنما قلب الحدث كالأرض الخالية ، ما ألقي فيها من شئ قبلته . فبادرتك بالأدب قبل أن يقسو قلبك ، ويشتغل لبك لتستقبل بجد رأيك من الأمر ما قد كفاك أهل التجارب بغيته وتجربته ، فتكون قد كفيت مؤونة الطلب ، وعوفيت من علاج التجربة ، فأتاك من ذلك ما قد كنا نأتيه ، واستبان لك ما ربما أظلم علينا منه .