سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٣٨٦
فإني وجدت جميع ما يتعايش به الناس وبه يتعاشرون ملء مكيال ثلثاه استحسان وثلثه تغافل ، وما خلق الله عز وجل شيئاً أحسن من الكلام ولا أقبح منه ، بالكلام ابيضت الوجوه ، وبالكلام اسودت الوجوه ، واعلم أن الكلام في وثاقك ما لم تتكلم به فإذا تكلمت به صرت في وثاقه ، فاخزن لسانك كما تخزن ذهبك وورقك ، فإن اللسان كلب عقور فإن أنت خليته عقر ، ورب كلمة سلبت نعمة ، من سيب عذاره قاده إلى كل كريهة وفضيحة ، ثم لم يخلص من دهره إلا على مقت من الله عز وجل وذم من الناس . قد خاطر بنفسه من استغنى برأيه ، ومن استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ ، من تورط في الأمور غير ناظر في العواقب فقد تعرض لمفظعات النوائب ، والتدبير قبل العمل يؤمنك من الندم ، والعاقل من وعظته التجارب ، وفي التجارب علم مستأنف ، وفي تقلب الأحوال علم جواهر الرجال ، الأيام تهتك لك عن السرائر الكامنة ، تفهم وصيتي هذه ولا تذهبن عنك صفحاً ، فإن خير القول ما نفع .
إعلم يا بني : أنه لا بدلك من حسن الإرتياد ، وبلاغك من الزاد مع خفة الظهر ،
فلا تحمل على ظهرك فوق طاقتك فيكون عليك ثقلاً في حشرك ونشرك في القيامة ، فبئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد .
واعلم أن أمامك مهالك ومهاوي ، وجسوراً وعقبة كؤوداً لا محالة أنت هابطها ، وأن مهبطها إما على جنة أو على نار ، فارتد لنفسك قبل نزولك إياها . وإذا وجدت من أهل الفاقة من يحمل زادك إلى القيامة فيوافيك به غدا حيث تحتاج إليه فاغتنمه وحمله ، وأكثر من تزوده وأنت قادر عليه ، فلعلك تطلبه فلا تجده ، وإياك أن تثق لتحميل زادك بمن لا ورع له ولا أمانة ، فيكون مثلك مثل ظمآن رأى سراباً حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً فتبقى في القيامة منقطعاً بك .
وقال ( ٧ ) في هذه الوصية : يا بني : البغي سائق إلى الحين ، لن يهلك امرء عرف قدره ، من حصن شهوته صان قدره . قيمة كل امرء ما يحسن ، الاعتبار يفيدك الرشاد ، أشرف الغنى ترك المنى ، الحرص فقر حاضر ، المودة قرابة مستفادة ، صديقك أخوك لأبيك وأمك وليس كل أخ لك من أبيك وأمك صديقك لا تتخذن عدو صديقك صديقا