سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٣٤٧
عن موضعه ، ثم اكشف التراب عنه فترى قبراً محفوراً ولحداً مثقوباً وساجة منقوبة ، فأضجعني فيها ، فإذا أردت الخروج من قبري فافتقدني فإنك لا تجدني ، وإني لاحق بجدك رسول الله ( ( ٨ ) ) ، واعلم يا بني ما من نبي يموت وإن كان مدفوناً بالمشرق ويموت وصيه بالمغرب إلا ويجمع الله عز وجل بين روحيهما وجسديهما ، ثم يفترقان فيرجع كل واحد منهما إلى موضع قبره ، ثم أشرج اللحد باللبن وأهلَّ التراب عليَّ ثم غيِّب قبري .
ثم أغمي عليه ساعة ، وأفاق وقال : هذا رسول الله ( ( ٨ ) ) وعمي حمزة وأخي جعفر وأصحاب رسول الله ( ( ٨ ) ) وكلهم يقولون : عجل قدومك علينا فإنا إليك مشتاقون ، ثم أدار عينيه في أهل بيته كلهم وقال : أستودعكم الله جميعاً ، سددكم الله جميعاً حفظكم الله جميعاً ، خليفتي عليكم الله وكفى بالله خليفة . ثم قال : وعليكم السلام يا رسل ربي . ثم قال : لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ . إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ . وعرق جبينه وهو يذكر الله كثيراً ، وما زال يذكر الله كثيراً ويتشهد الشهادتين ، ثم استقبل القبلة وغمض عينيه ومد رجليه ويديه وقال : أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، ثم قضى نحبه ( ٧ )
قال : فعند ذلك صرخت زينب بنت علي ( ٧ ) وأم كلثوم وجميع نسائه ،
وقد شقوا الجيوب ولطموا الخدود ، وارتفعت الصيحة في القصر ، فعلم أهل الكوفة أن أمير المؤمنين ( ٧ ) قد قبض ، فأقبل النساء والرجال يهرعون أفواجا أفواجاً ، وصاحوا صيحة عظيمة ، فارتجت الكوفة بأهلها وكثر البكاء والنحيب ، وكثرالضجيج بالكوفة وقبائلها ودورها وجميع أقطارها ، فكان ذلك كيوم مات فيه رسول الله ( ( ٨ ) ) .
فلما أظلم الليل تغير أفق السماء وارتجت الأرض وجميع من عليها ، وكنا نسمع جلبة وتسبيحاً في الهواء ، فعلمنا أنها من أصوات الملائكة فلم يزل كذلك إلى أن طلع الفجر ) .