سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٢٩٨
منهم فكانت عليهم الدبرة وبهم الهزيمة ولهم الحسرة ، وفيهم الفناء والقتل ، وحملت نفسي على التي لم أجد منها بداً ، ولم يسعني إذ فعلت ذلك وأظهرته آخراً مثل الذي وسعني منه أولاً ، من الإغضاء والإمساك ، ورأيتني إن أمسكت كنت معيناً لهم عليَّ بإمساكي على ما صاروا إليه وطمعوا فيه ، من تناول الأطراف وسفك الدماء وقتل الرعية ، وتحكيم النساء النواقص العقول والحظوظ على كل حال ، كعادة بني الأصفر ومن مضى من ملوك سبأ والأمم الخالية ، فأصير إلى ما كرهتُ أولاً وآخراً ، وقد أهملتُ المرأة وجندها يفعلون ما وصفت بين الفريقين من الناس ، ولم أهجم على الأمر إلا بعدما قدمت وأخرت ، وتأنيت وراجعت وأرسلت وسافرت ، وأعذرت وأنذرت ، وأعطيت القوم كل شئ يلتمسونه بعد أن عرضت عليهم كل شئ لم يلتمسوه ، فلما أبوا إلا تلك أقدمت عليها فبلغ الله بي وبهم ما أراد ، وكان لي عليهم بما كان مني إليهم شهيداً ، ثم التفت ( ٧ ) إلى أصحابه فقال : أليس كذلك ؟ قالوا : بلى يا أمير المؤمنين .
السادس : معاوية وحرب صفين
فقال ( ٧ ) : وأما السادسة يا أخا اليهود ، فتحكيمهم الحكمين ومحاربة ابن آكلة الأكباد ، وهو طليق معاند لله عز وجل ولرسوله والمؤمنين ، منذ بعث الله محمداً إلى أن فتح الله عليه مكة عنوة ، فأُخِذَت بيعته وبيعة أبيه لي معه في ذلك اليوم ، وفي ثلاثة مواطن بعده ، وأبوه بالأمس أول من سلم عليَّ بإمرة المؤمنين ، وجعل يحثني على النهوض في أخذ حقي من الماضين قبلي ، ويجدد لي بيعته كلما أتاني ! وأعجب العجب أنه لما رأى ربي تبارك وتعالى قد ردَّ إليَّ حقي وأقره في معدنه ، وانقطع طمعه أن يصير في دين الله رابعاً ، وفي أمانة حملناها حاكماً ، كرَّ على العاصي بن العاص فاستماله فمال إليه ، ثم أقبل به بعد أن أطعمه مصر ، وحرام عليه أن يأخذ من الفيئ دون قسمه درهماً ، وحرام على الراعي إيصال درهم إليه فوق حقه ، فأقبل يخبط البلاد بالظلم ويطأها بالغشم ، فمن بايعه أرضاه ومن خالفه ناواه ، ثم توجه إلي ناكثاً علينا مغيراً في البلاد شرقاً وغرباً ويميناً وشمالاً ، والأنباء تأتيني والأخبار ترد عليَّ بذلك ، فأتاني أعور ثقيف فأشار عليَّ أن أوليه البلاد التي هو بها لأداريه بما أوليه منها ، وفي الذي أشار به الرأي في