سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٢٩٤
فيدعوني إلى أخذ حقي ، ويبذلون أنفسهم في نصرتي ، ليؤدوا إليَّ بذلك بيعتي في أعناقهم ، فأقول رويداً وصبراً لعل الله يأتيني بذلك عفواً بلا منازعة ولا إراقة دماء ، فقد ارتاب كثير من الناس بعد وفاة النبي ( ( ٨ ) ) ، وطمع في الأمر بعده من ليس له بأهل فقال كل قوم : منا أمير ، وما طمع القائلون في ذلك إلا لتناول غيري الأمر . فلما دنت وفاة القائم وانقضت أيامه صيَّر الأمر بعده لصاحبه فكانت هذه أخت أختها ، ومحلها مني مثل محلها ، وأخذا مني ما جعله الله لي ، فاجتمع إلي من أصحاب محمد ( ( ٨ ) ) ممن مضى وممن بقي ممن أخره الله من اجتمع ، فقالوا لي فيها مثل الذي قالوا في أختها ، فلم يعد قولي الثاني قولي الأول ، صبراً واحتساباً ويقيناً ، وإشفاقاً من أن تفنى عصبة تألفهم رسول الله ( ( ٨ ) ) باللين مرة وبالشدة أخرى ، وبالنذر مرة ، وبالسيف أخرى ! حتى لقد كان من تألفه لهم أن كان الناس في الكر والفرار والشبع والري ، واللباس والوطاء والدثار ، ونحن أهل بيت محمد ( ( ٨ ) ) لا سقوف لبيوتنا ، ولا أبواب ولا ستور إلا الجرائد ، وما أشبهها ، ولا وطاء لنا ولا دثار علينا ، يتداول الثوب الواحد في الصلاة أكثرنا ، ونطوي الليالي والأيام عامتنا ، وربما أتانا الشئ مما أفاءه الله علينا وصيره لنا خاصة دون غيرنا ، ونحن على ما وصفت من حالنا ، فيؤثر به رسول الله ( ( ٨ ) ) أرباب النعم والأموال تألفاً منه لهم ، فكنت أحق من لم يفرق هذه العصبة التي ألفها رسول الله ( ( ٨ ) ) ولم يحملها على الخطة التي لا خلاص لها منها ، دون بلوغها أو فناء آجالها ، لأني لو نصبت نفسي فدعوتهم إلى نصرتي كانوا مني وفي أمري على إحدى منزلتين إما متبع مقاتل ، وإما مقتول إن لم يتبع الجميع ، وإما خاذل يكفر بخذلانه إن قصر في نصرتي أو أمسك عن طاعتي ، وقد علم الله أني منه بمنزلة هارون من موسى ، يحل به في مخالفتي والإمساك عن نصرتي ما أحل قوم موسى بأنفسهم في مخالفة هارون وترك طاعته . ورأيت تجرع الغصص ورد أنفاس الصعداء ، ولزوم الصبر حتى يفتح الله أو يقضي بما أحب ، أزيَد لي في حظي ، وأرفقَ بالعصابة التي وصفت أمرهم وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُوراً . ولو لم أتق هذه الحالة يا أخا اليهود ثم طلبت حقي ، لكنت أولى ممن طلبه ، لعلم من مضى من أصحاب رسول الله ( ( ٨ ) ) ومن بحضرتك منه بأني كنت