سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٢١٠
وأخي ، فمرنا بأمرك فوالله لننفذن له ، ولو حال دون ذلك شوك الهراس وجمر الغضا ، حتى ننفذ أمرك أو نموت دونه ، فدعا لهما بخير ، وقال لهما : أين تبلغان مما نريد ؟
ثم أمر الحارث الأعور الهمداني فنادى في الناس : أين من يشري نفسه لربه ويبيع دنياه بآخرته ، أصبحوا غداً بالرحبة إن شاء الله ، ولا يحضرنا إلا صادق النية في المسير معنا ، والجهاد لعدونا ، فأصبح بالرحبة نحو من ثلاث مائة ! فلما عرضهم قال : لو كانوا ألفاً كان لي فيهم رأي !
قال : وأتاه قوم يعتذرون وتخلف آخرون فقال : وجاء المعذرون وتخلف المكذبون ! قال : ومكث أمير المؤمنين أياماً بادياً حزنه شديد الكآبة . ثم إنه نادى في الناس فاجتمعوا فقام خطيباً فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :
أما بعد أيها الناس ، فوالله لَأهل مصركم في الأمصار أكثر من الأنصار في العرب ، وما كانوا يوم أعطوا رسول الله ( ( ٨ ) ) أن يمنعوه ومن معه من المهاجرين حتى يبلغ رسالات ربه إلا قبيلتين صغير مولدهما ، وما هما بأقدم العرب ميلاداً ، ولا بأكثرهم عدداً ، فلما آووا النبي ( ( ٨ ) ) وأصحابه ونصروا الله ودينه رمتهم العرب عن قوس واحدة ، وتحالفت عليهم اليهود ، وغزتهم اليهود والقبائل قبيلة بعد قبيلة ، فتجردوا لنصرة دين الله ، وقطعوا ما بينهم وبين العرب من الحبائل ، وما بينهم وبين اليهود من العهود ، ونصبوا لأهل نجد وتهامة وأهل مكة واليمامة ، وأهل الحزن والسهل وأقاموا قناة الدين ، وتصبروا تحت أحلاس الجلاد ، حتى دانت لرسول الله ( ( ٨ ) ) العرب ، ورأى فيهم قرة العين قبل أن يقبضه الله إليه ، فأنتم في الناس أكثر من أولئك في أهل ذلك الزمان من العرب .
فقام إليه رجل آدم طوال فقال : ما أنت بمحمد ، ولا نحن بأولئك الذين ذكرت ، فلا تكلفنا ما لا طاقة لنا به ! فقال له علي ( ٧ ) : أحسن سمعاً تحسن إجابة ، ثكلتكم الثواكل ما تزيدونني إلا غماً ، هل أخبرتكم أني محمد ( ( ٨ ) ) وأنكم الأنصار ؟ إنما ضربت لكم مثلاً ، وإنما أرجو أن تأسَّوا بهم !
ثم قام رجل آخر فقال : ما أحوج أمير المؤمنين اليوم ومن معه إلى أصحاب النهروان !