سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ١٧٥
استهواهم فأضلهم ، وهو غداً متبرئ منهم ومخلٍّ عنهم .
فقام إليه زياد بن خصفة فقال : يا أمير المؤمنين إنه لو لم يكن من مضرَّة هؤلاء إلا فراقهم إيانا لم يعظم فقدهم علينا فنأسى عليهم ، فإنهم قلما يزيدون في عددنا لو أقاموا معنا ، ولقلما ينقصون من عددنا بخروجهم منا ولكنا نخاف أن يفسدوا علينا جماعة كثيرة ممن يقدمون عليهم من أهل طاعتك ، فأذن لي في اتباعهم حتى أردهم عليك إن شاء الله .
فقال له علي ( ٧ ) : أخرج في أثرهم راشداً ، فلما ذهب ليخرج قال له ( ٧ ) :
وهل تدري أين توجه القوم ؟ فقال : لا والله ولكني أخرج فأسأل وأتبع الأثر ، فقال له علي ( ٧ ) : أخرج رحمك الله حتى تنزل دير أبي موسى ثم لا تبرحه حتى يأتيك أمري ، فإنهم إن كانوا قد خرجوا ظاهرين بارزين للناس في جماعة ، فإن عمالي ستكتب إلي بذلك ، وإن كانوا متفرقين مستخفين فذلك أخفى لهم ، وسأكتب إلى من حولي من عمالي فيهم ، فكتب نسخة واحدة وأخرجها إلى العمال :
بسم الله الرحمن الرحيم ، من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى من قرأ كتابي هذا من العمال : أما بعد ، فإن رجالاً لنا عندهم بيعة خرجوا هراباً فنظنهم توجهوا نحو بلاد البصرة ، فاسأل عنهم أهل بلادك واجعل عليهم العيون في كل ناحية من أرضك ، ثم اكتب إلي بما ينتهي إليك عنهم . والسلام .
فخرج زياد بن خصفة حتى أتى داره فجمع أصحابه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد يا معشر بكر بن وائل فإن أمير المؤمنين ندبني لأمر من أموره مهم ، وأمرني بالإنكماش فيه بالعشيرة حتى آتي أمره ، وأنتم شيعته وأنصاره ، وأوثق حي من أحياء العرب في نفسه ، فانتدبوا معي في هذه الساعة وعجلوا . قال : فوالله ما كان إلا ساعة حتى اجتمع إليه منهم مائة رجل ونيف وعشرون أو ثلاثون ، فقال : اكتفينا ولا نريد أكثر من هؤلاء .
قال : فخرج زياد حتى قطع الجسر ثم أتى دير أبي موسى فنزله فأقام به بقية يومه ذلك ، ينتظر أمر أمير المؤمنين ( ٧ ) .