سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ١٣٦
قال : فانتهينا إليهم فإذا هم في معسكرهم لم يبرحوا ولم يرتحلوا . فنادى في الناس فضمهم ، ثم أتى الصف وهو يقول : من يأخذ هذا المصحف فيمشي إلى هؤلاء القوم فيدعوهم إلى كتاب الله وسنة نبيه ( ( ٨ ) ) ، وهو مقتول وله الجنة . فما أجابه أحد إلا شاب من عامر بن صعصعة ، فلما رأى حداثة سنه قال : إرجع إلى موقفك .
ثم أعاد القول فما أجابه أحد إلا ذلك الشاب ، فقال : خذه أما إنك مقتول . فمشى به حتى إذا دنا من القوم حيث يسمعهم ناداهم فرموا وجهه بالنبل فأقبل علينا ووجهه كالقنفذ . فقال علي ( ٧ ) : دونكم القوم ، فحملنا عليهم قال جندب : ذهب الشك عني وقتلت بكفي ثمانية ) .
ورواه المفيد في الإرشاد ( ١ / ٣١٧ ) وفيه : ( فدخلني شك وقلت : قراؤنا وخيارنا نقتلهم ! إن هذا لأمر عظيم ! فركزت رمحي ووضعت ترسي إليه واستترت من الشمس ، فإني لجالس حتى ورد في أمير المؤمنين ( ٧ ) . . فقلت في نفسي : الحمد لله الذي بصرني هذا الرجل وعرفني أمره ، هذا أحد رجلين : إما رجل كذاب جرئ أو على بينة من ربه وعهد من نبيه ، اللهم إني أعطيك عهداً تسألني عنه يوم القيامة ، إن أنا وجدت القوم قد عبروا أن أكون أول من يقاتله وأول من يطعن بالرمح في عينه ، وإن كانوا لم يعبروا أن أقيم على المناجزة والقتال . فدفعنا إلى الصفوف فوجدنا الرايات والأثقال كما هي ، قال : فأخذ بقفاي ودفعني ثم قال : يا أخا الأزد أتبين لك الأمر ؟ قلت : أجل يا أمير المؤمنين ، قال : فشأنك بعدوك ، فقتلت رجلاً ثم قتلت آخر ، ثم اختلفت أنا ورجل آخر أضربه ويضربني فوقعنا جميعاً ، فاحتملني أصحابي فأفقت حين أفقت وقد فرغ القوم . وهذا حديث مشهور شائع بين نقلة الآثار ، وقد أخبر به الرجل عن نفسه في عهد أمير المؤمنين ( ٧ ) وبعده فلم يدفعه عنه دافع ولا أنكر صدقه فيه منكر ، وفيه إخبار بالغيب ، وإبانة عن علم الضمير ومعرفة ما في النفوس ، والآية باهرة فيه لا يعادلها إلا ما ساواها في معناها من عظيم المعجز وجليل البرهان ) .