سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ١٢٥
قالوا : فإنا نقمنا عليك غيرهذا ، إنك قلت للحكمين : أنظرا في كتاب الله ، فإن كنت أفضل من معاوية فأثبتاني في الخلافة ، وإن كان معاوية أفضل مني فأثبتاه في الخلافة ، فإن كنت شاكاً في نفسك أن معاوية أفضل منك فنحن فيك أعظم شكاً ! فقال لهم علي : إنما أردت بذلك النصفة لمعاوية ، لأني لو قلت للحكمين : أحكما لي وذرا معاوية ، كان معاوية لا يرضى بذلك وإنما كان النبي ( ( ٨ ) ) لو قال للنصارى لما قدموا عليه من نجران : تعالوا حتى نبتهل فنجعل لعنة الله عليكم ، كانوا لا يرضون بذلك ، ولكنه أنصفهم فقال : تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ، فأنصفهم من نفسه ، وكذلك أنصفت أنا معاوية ، ولم أعلم لما أراد عمرو بن العاص من خديعة صاحبي .
قالوا : فإنا نقمنا عليك غيرهذا ، إنك حكمت حكماً في حق هولك ، فقال : إن رسول الله ( ( ٨ ) ) قد حكم سعد بن معاذ في بني قريظة ولو شاء لم يفعل ، فحكم فيهم سعد بقتل النساء والرجال وسبي الذرية والأموال ، وإنما أقمت حكماً كما أقام النبي ( ( ٨ ) ) لنفسه حكماً . فهل عندكم شئ غير هذا تحتجون به عليَّ ؟
قال : فسكت القوم وجعل بعضهم يقول لبعض : صدق فيما قال ولقد دحض جميع ما احتججنا عليه ، ثم صاح القوم من كل ناحية وقالوا : التوبة ، التوبة يا أمير المؤمنين ! فاستأمن إليه منهم ثمانية آلاف ، وبقي على حربه أربعة آلاف ، وأقبل علي رضي الله عنه إلى هؤلاء المستأمنين إليه فقال : اعتزلوا عني في وقتكم هذا ، وذروني والقوم .
قال : فاعتزل القوم وتقدم علي بن أبي طالب من أصحابه حتى دنا منهم ، وتقدم عبد الله بن وهب حتى وقف بين الجمعين ، وجعل يقول : الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ . ألا ! إن الذين عدلوا بربهم علي بن أبي طالب وأصحابه ، الذين حكموا في دين الله عمرو بن العاص وعبد الله بن قيس ، والله تعالى يقول : إِتَّبِعْ مَا أُوحِىَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ .