الدرر النجفية من الملتقطات اليوسفية - البحراني، الشيخ يوسف - الصفحة ٢٢٦ - ٣٢ درّة نجفيّة في مراتب المعرفة
و أمّا المرتبة الثالثة، فهي معرفته جل شانه بإشراق أنوار تجلياته و لمعان بروق عظمته و مخاطباته على مرايا قلوب صقلت بمصاقل العبادات و المجاهدات و الرياضات، و تجردت عن قيود الذنوب و المعاصي و الشهوات، فسمت إلى عالم المجردات.
و تفصيل هذه الجملة أن اللّه (عزّ و جلّ) اصطفى في عالم الأزل عبادا قرّبهم من حضرة قدسه، و أجلسهم على بساط انسه، و عصمهم من المعاصي و الآثام، و فتح مسامع قلوبهم لما أغلق على غيرهم من الأنام، و خلق أرواحهم و أجسادهم ممّا لم يخلق منه سائر الأرواح و الأجساد، فجعلهم سادة للعباد، و أنوارا في البلاد، و سفرة بينه و بين الخلائق، و أبوابا و نوّابا يرجع إليهم في تحقيق الحقائق و فك المغالق، قد اجهدوا أنفسهم في مراضيه، و وقفوها على القيام بأوامره و نواهيه، كما أشار إلى ذلك أمير المؤمنين و سيّد الموحدين- (صلوات اللّه عليه)- في جملة من كلماته، منها ما في (نهج البلاغة) حيث قال: «إنّ من أحبّ عباد الله إليه عبدا أعانه على نفسه فاستشعر الحزن و تجلبب الخوف، فزهر مصباح الهدى في قلبه».
إلى أن قال: «خلع [سرابيل] الشهوات، و تخلى من الهموم إلّا همّا واحدا انفرد به فخرج من صفة العمى و مشاركة أهل الهوى، و صار من مفاتيح أبواب الهدى و مغاليق أبواب الردى. قد أبصر طريقه و سلك سبيله و عرف مناره و قطع غماره، و استمسك من العرى بأوثقها، و من الحبال بأمتنها. فهو من اليقين على مثل ضوء الشمس قد نصب نفسه لله في أرفع الامور من إصدار كلّ وارد عليه، و تصيير كل فرع إلى أصله. مصباح ظلمات، كشّاف عشوات، مفتاح مبهمات، دفّاع معضلات، دليل فلوات، يقول فيفهم، و يسكت فيسلم، قد أخلص لله سبحانه فاستخلصه، فهو من معادن دينه و أوتاد أرضه، قد ألزم نفسه العدل فكان أوّل عدله نفي الهوى عن نفسه، يصف الحق و يعمل به. و لا يدع للخير غاية إلّا أمّها، و لا مظنّة إلّا قصدها، قد أمكن الكتاب من زمامه فهو قائدة