الدرر النجفية من الملتقطات اليوسفية - البحراني، الشيخ يوسف - الصفحة ٢٢٨ - ٣٢ درّة نجفيّة في مراتب المعرفة
وَ أَمّٰا مَنْ خٰافَ مَقٰامَ رَبِّهِ وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوىٰ. فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوىٰ [١]، و ابتلاؤهم بمجاهدة الشيطان الغرور الذي قد استوطن منهم الصدور، و جرى مجرى الدم في أبدانهم، فلا انفكاك لهم منه في ورود و لا صدور. و قصارى أمرهم- إن ساعد التوفيق الرباني- الخلاص من مكائد ذينك العدوين، و النجاة من شباكهما المنصوبة رأي العين، فلم يبلغوا أهلية هذه المرتبة المذكورة.
و هي- كما عرفت- لا تحصل بمجرد الكدح و الطلب، و لا الوراثة من الجد و الأب؛ فإنها قميص لم يفصّل على كل ذي قد، و لا ينال بشرف الأب و الجد، بل العمدة في حصولها هو ما قدّمناه في صدر الكلام؛ فلذا ردعوا عن ذلك؛ لطفا بهم، و عناية لهم، و خوفا عليهم من الوقوع في مهاوي الضلال الموجب لمزيد البعد من حضرة ذي الجلال.
و أما من خلص من تلك القيود، و قام حق القيام بوظائف الملك المعبود- و قيل ما هم- فهو ممّن فاز من [٢] ذلك بالمعلّى و الرقيب و حاز النصيب الأوفر من وصل الحبيب [٣]؛ و لهذا أن جملة ممن داخله العجب بنفسه و الاغترار، و لم يلتفت إلى ما ورد من المنع في هذه الأخبار، و ولج بزعمه في ذلك الباب، و خاض في ذلك البحر العباب [٤] وقع في لجج المضيق، و صار فيه غريقا و أيّ غريق. و هم مشايخ الصوفية الذين يكادون بدعاويهم يزاحمون مقام الربوبية؛ فما بين من وقع في القول بالحلول أو الاتحاد، أو وحدة الوجود الموجب جميعه للزندقة و الإلحاد، و أمثال ذلك من المقالات الظاهرة الفساد.
و بالجملة، فإن هذه المرتبة إنما هي لمن خصهم اللّه (عزّ و جلّ) من بين عباده في
[١] النازعات: ٤٠- ٤١.
[٢] ممّن فاز من، من «ح» و في «ق» من فاز.
[٣] من «ح».
[٤] في «ح»: الغيّاب.