الدرر النجفية من الملتقطات اليوسفية - البحراني، الشيخ يوسف - الصفحة ٢١٦ - ٣٢ درّة نجفيّة في مراتب المعرفة
منها سلكه أهل الدين. و بيان ذلك أنّك تجد ابن آدم إذا كان له نحو من سبع سنين و إلى قبل بلوغه إلى مقام المكلّفين لو كان جالسا مع جماعة فالتفت إلى ورائه فجعل واحد منهم بين يديه شيئا مأكولا أو غيره من الأشياء، فإنه إذا رآه سبق إلى تصوّره و إلهامه أن ذلك المأكول أو غيره ما حضر بذاته و إنما أحضره غيره، و يعلم ذلك على غاية عظيمة من التحقيق و الكشف و الضياء و الجلاء.
ثم إذا التفت مرة اخرى إلى ورائه فأخذ بعض الحاضرين ذلك من بين يديه، فإنه إذا آنها التفت إليه و لم يره موجودا فإنه لا يشكّ أنه أخذه أحد سواه، و لو حلف له كل من حضر أنه حضر ذلك الطعام بذاته و ذهب بذاته كذب الحالف ورد عليه دعواه.
فهذا يدلك على أن فطرة ابن آدم ملهمة معلّمة من اللّه تعالى جل جلاله، بأن ذلك الأثر دل دلالة بديهية على مؤثره بغير ارتياب، و الحادث دل على محدث بدون حكم الألباب).
إلى ان قال: (و مما يدلك يا ولدي- جملك اللّه جل جلاله بإلهامك و إكرامك، و جعلك من أعيان دار دنياك و دار مقامك- أن المعرفة محكوم بحصولها للإنسان دون ما ذكره أصحاب اللسان؛ لأنهم لو عرفوا من مكلف ولد على الفطرة حر عاقل عقيب بلوغ رشده بأحد أسباب الرشاد أنه قد ارتد بردّة يحكم فيها ظاهر الشرع بأحكام الارتداد، و أشاروا بقتله، و قالوا: قد ارتدّ عن فطرة الإسلام، و تقلدوا إباحة دمه و ماله، و شهدوا أنه كفر بعد إسلام.
فلو لا أن العقول قاضية بالاكتفاء و الغناء [١] بإيمان الفطرة دون ما ذكروه من طول الفكرة، كيف كان يحكم على هذا بالردة و قد عرفوا أنه ما يعلم حقيقة من
[١] من «ح»: و المصدر.