الدرر النجفية من الملتقطات اليوسفية - البحراني، الشيخ يوسف - الصفحة ٤٦ - ٢١ درّة نجفيّة في صفات الفقيه الجامع للشرائط
يكون مع عقله على هواه؟ و كيف محبّته للرئاسات الباطلة و زهده فيها؟ فإن في الناس من خسر الدنيا و الآخرة بترك الدنيا للدنيا، و يرى أن لذة الرئاسة الباطلة أفضل من لذة الأموال و النعم المباحة المحللة، فيترك ذلك أجمع طلبا للرئاسة، حتى إذا قيل: اتَّقِ اللّٰهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ، فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَ لَبِئْسَ الْمِهٰادُ [١]، فهو يخبط خبط عشواء و يقوده أوّل باطل إلى أبعد غايات الخسارة، و يمدّه ربه بعد طلبه لما لا يقدر عليه في طغيانه، فهو يحل ما حرم اللّه، و يحرم ما أحل اللّه لا يبالي بما فات من دينه إذا سلمت له رئاسته التي قد شقي [٢] من أجلها. فاولئك الذين غضب اللّه عليهم و لعنهم، و أعدّ لهم عذابا مهينا.
و لكن الرجل كل الرجل نعم الرجل هو الذي جعل هواه تبعا لأمر اللّه، و قواه مبذولة في رضا اللّه، يرى الذل مع الحق أقرب إلى عزّ الأبد من العز في الباطل، و يعلم أن قليل ما يحتمله من ضرّائها يؤديه إلى دوام النعيم في دار لا تبيد و لا تنفد، و إن كثير ما يلحقه من سرائها إن اتبع هواه يؤدي إلى عذاب لا انقطاع له و لا زوال.
فذلكم الرجل نعم الرجل فبه فتمسكوا، و بسنّته فاقتدوا، و إلى ربكم [به] فتوسلوا؛ فإنّه لا ترد له دعوة، و لا تخيب له طلبة» [٣].
أقول: قال شيخنا المحدّث الصالح الشيخ عبد اللّه بن الصالح البحراني- طيب اللّه تعالى مرقده بفيض جوده السبحاني- في كتاب (منية الممارسين في أجوبة الشيخ ياسين)- في الكلام على العدالة و بيان المعنى المراد منها بعد نقل هذا الخبر ما صورته-: (إنه محمول على تعريف الإمام و الولي و من يحذو حذوهما من خواص الصلحاء و خلّص أهل الإيمان الذين لا تسمح الأعصار منهم إلّا
[١] إشارة إلى الآية: ٢١٦ من سورة البقرة.
[٢] من «ح» و المصدر، و في «ق»: يتقي.
[٣] الاحتجاج ٢: ١٥٩- ١٦٢/ ١٩٢.