صلاة الجمعة من كتاب الصلاة - الأراكي، الشيخ محسن - الصفحة ٣٣٣ - الشرط الثالث المسافة
الثالثة: مقتضى اعتبار المسافة بين الجمعتين في صحّتهما: بطلانهما معاً عند الاقتران، وبطلان المتأخّرة عند عدمه؛ وذلك لفقدانهما معاً شرطَ الصحّة عند المقارنة، وفقدانِ خصوص المتأخّرة له عند عدم المقارنة؛ فإنّ السابقة لا مانع من صحّتها عند قيامها في الوقت المتقدّم؛ لعدم وجود جمعة عند ذلك فيما دون المسافة، والمتأخّرة غير متوفّرة على شرط الصحّة منذ البداية إذا أقيمت؛ لوجود المانع، فهي لا تولد إلّا باطلة، فلا تصلح لمانعيّة الصلاة السابقة.
الأمر الثالث: في تحديد المسافة:
الحقّ أنّ المساحات والتقادير أمور عرفيّة يرجع في مفاهيم ألفاظها إلى العرف اللغوي، وعليها ينزّل كل ما ورد بشأن تحديدها في النصوص الشرعيّة.
قال في القاموس في شرح معنى «الِميل»:
«والميل بالكسر: ... مسافة من الأرض متراخية، أو مائة ألف إصبع إلّا أربعة آلاف إصبع، أو ثلاثة أو أربعة آلاف ذراع، بحسب اختلافهم في الفرسخ: هل هو تسعة آلاف بذراع القدماء، أو اثنا عشر ألف ذراع بذراع المُحْدَثين؟»[١].
وواضح أنّ الاختلاف الذي ذكره إنّما هو اختلاف في الاصطلاح وليس اختلافاً في تحديد المسافة التي يدلّ عليها الميل، وهذا ما أكّد عليه في المصباح المنير، قال:
«والْمِيلُ بِالْكَسْرِ عِنْدَ الْعَرَبِ: مِقْدَارُ مَدَى البَصَرِ مِنْ الأرْضِ، قَالَهُ الأَزْهَرِيُّ، وعِنْدَ القُدَماءِ مِنْ أَهْلِ الْهَيْئَةِ: ثَلاثَةُ آلافِ ذِرَاعٍ، وعِنْدَ المُحْدَثِينَ: أَرْبَعَةُ آلافِ ذِرَاعٍ، والْخِلافُ لَفْظِيٌّ؛ لأنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مِقْدَارَهُ سِتٌّ وتِسْعُونَ أَلْفَ إِصْبَعٍ، والإصْبَعُ سِتُّ شُعَيْرَاتٍ بَطْنُ كُلِّ وَاحِدَةٍ إِلَى الأخْرَى. ولكِن الْقُدَمَاء يَقُولُونَ: الذِّرَاعُ اثْنَتَانِ وثَلاثُونَ إِصْبَعاً، والمُحْدَثُونَ يَقُولُونَ: أَرْبَعٌ وعِشْرُونَ إِصْبَعاً، فَإِذَا قُسِمَ الْمِيلُ عَلَى رَأْي الْقُدَمَاءِ كُلُّ ذِرَاعٍ اثْنَيْنِ وثَلاثِينَ كَانَ الْمُتَحَصِّلُ ثَلاثَةَ آلافِ ذِرَاعٍ،
[١] القاموس المحيط: مادّة« ميل».