فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٩٣ - الفقه الجزائي والسياسة الجنائية / ٢ / طوبى الشاكري
المسألة فنجتهد فيها بالرأي . . . ـ إلى أن يقول الإمام ـ : « لو علم ابن شبرمة من أين هلك الناس ما دان بالمقاييس ولا عمل بها . . . » أي أنه يحذّر من أن الهلاك ناشئ عن العدول عن مبدأ القانونية عند القضاء .
ويقول الإمام (عليه السلام) في موضع آخر : « يعذب الله اللسان بعذاب لا يعذب به شيئاً من الجوارح ، فيقول : ربّ عذبتني بعذاب لم تعذب به شيئاً ! فيقال له : خرجت عنك كلمة فبلغت مشارق الأرض ومغاربها ؛ فسفك بها الدم الحرام ، وانتهب بها المال الحرام ، وانتهك بها الفرج الحرام ، وعزتي ! لأعذبنك بعذاب لا اُعذب به شيئاً من الجوارح . . . » (٣٠).
ويرى الإمام (عليه السلام) أن العدول عن مبدأ القانونية يعني عدم حصانة الفرد في قبال الجهاز القضائي والسلطات الحاكمة ، ويستلزم التجاوز على الحريات والحقوق الإنسانية للفرد كحق الحياة والتملك ، أو انتهاك كرامة الإنسان . من هنا فإن المعصوم (عليه السلام) يشدد على لزوم واعتماد مبدأ القانونية من خلال تعبيرات لا تقبل التسامح فيقول : « لعن الله أصحاب القياس ! فإنهم غيّروا كتاب الله وسنة رسوله » (٣١)، ويقول في مرسلة « ابن أبي عمير » : « . . . من حكم برأيه بين اثنين فقد كفر ، ومن فسّر برأيه آية من كتاب الله فقد كفر . . . » (٣٢).
وقد دفع الفقهاء الشيعة ـ تبعاً للأئمة ـ غرامة تاريخية ثقيلة في سبيل الثبات والمحافظة على هذا المبدأ ، فكانت العزلة العلمية والتاريخية والمطاعن وكثير من عدم الانسجام مع العامة وما إلى ذلك أقل ثمن استوجب دفعه في سبيل هذا المبدأ ؛ مبدأ الدفاع عن الحقوق والكرامة الإنسانية ومواجهة صلاحيات وتحكّمات القضاة في القضاء وإصدار الأحكام ، ولا سيما في العقوبات .
(٣٠)المصدر السابق .
(٣١)المصدر السابق : ح ٤٤.
(٣٢)المصدر السابق .