فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٢٩٣
ولا شك أنّ مثل هذه العلاقة الوطيدة قد دعمت الموقع العلمي والاجتماعي للشيخ المفيد ، كما كان مركز الشيخ المفيد ومرجعيته العلمية عاملين آخرين لعبا دورا هامّا في دعم وتكريس موقع الشيعة بعد كلّ الذي نالوه ولحق بهم ، وعليه فإنّ الشيخ المفيد هو الزعامة الدينية والعلمية الاُولى التي استطاعت ـ بعد الغيبة الكبرى ـ أن تتصدى لرئاسة الشيعة وتستقطب جمهورها ، ويلتف حولها أكابر علماء الطائفة ، وتكوّن مدرستها العريقة ببغداد .
لقد عاصر الشيخ المفيد (قدس سره) الكثير مما شهدته بغداد من الفتن المذهبية التي كان يشعل فتيلها الجهّال والقصّاص وأهل الفتن ، فكانت الفتنة تحرّك رأسها بين الفينة والاُخرى لتكدّر حياة البيئة البغدادية وتعرضها للاضطرابات والحرق والتعدي ، حيث حُرقت مناطق الكرخ وباب الطاق التي يسكنها الشيعة مرات عديدة ، حتى أنّه « قيل لعضد الدولة : إنّ أهل بغداد قد قلّوا كثيرا بسبب الطاعون وما وقع من الفتن بسبب الرفض والسنة ، وأصابهم حريق وغريق ! ؟ فقال : إنّما يهيّج بين الناس هؤلاء القصّاص والوعاظ . ثمّ رسم أنّ أحدا لا يقصّ ولا يعظ في سائر بغداد » (٩٤).
وقد امتدت ألسنة الفتنة لتصل شرارتها إلى العلماء من أمثال الشيخ المفيد الذي اُبعد ثلاث مرّات من بغداد في ظروف غامضة في عصر البويهيين ريثما تهدأ الاُمور وتنام الفتنة قليلاً ثمّ يعود الشيخ ليزاول دوره العلمي من جديد . وقد تمّت أوّل عملية إبعاد له في سنة ( ٣٩٢أو ٣٩٣هـ ) ثمّ تلتها في سنة (٣٩٨ )والثالثة سنة ( ٤٠٩ )أي كان ذلك بعد وفاة عضد الدولة ( م ٣٧٢ هـ ) .
وكانت أوّل سنة تمّ فيها نفي الشيخ المفيد هي سنة ( ٣٩٢هـ ) كما ذكرنا والتي يحدثنا عنها ابن الأثير فيقول : « وفيها اشتدت الفتنة ببغداد ، وانتشر العيارون والمفسدون ، فبعث بهاء الدولة عميد الجيوش أبا علي بن اُستاذ هرمز إلى العراق ليدبّر أمره ، فوصل إلى بغداد فزينت له ، وقمع المفسدين ،
(٩٤)البداية والنهاية ١١: ٢٨٩.