فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٣٠١
أجل ، لقد كان الشيخ المفيد انتقائيا في تكوين مدرسته ، وكان ـ كما تصفه عبارة البعض ـ من أحرص الناس على التعليم ، وأنّه كان يدور على المكاتب وحوانيت الحاكة فيلمح الصبي الفطن فيذهب إلى أبويه لاستئجاره منهم وتعليمه وبذلك كثر تلامذته ، كما كان يقوم لتلامذته بكل ما يحتاجون إليه (١٨٨).
وهو أمر ينم عن حرص وهدفية في التعليم وتنمية المواهب وتأهيل النشئ المتميز . ولا شك أنها ميزة قلّما نجدها لعالم ، فلم يكن المفيد ليجلس في داره ومجلس درسه ليقصده الطلاب اطمئنانا منه بسمعته وركونا إلى شهرته ، بل هو العالم الميداني الحريص الجاد في دفع حركة العلم وكشف الطاقات وتأهيلها في المجال اللائق بها .
وعلى كلّ حال ، فإنّ مدرسة الشيخ المفيد كانت مميّزة سيّما من الناحية النوعية ، كما كان هو (قدس سره) ناجحا في بناء الكادر العلمي المؤهل الذي أراد له مواصلة الحركة العلمية التي بدأها .
ولم تكن المنهجية أو الهدفية هي العامل الوحيد في تكوين هذه المدرسة العريقة ، بل ثمّة التوفيق الإلهي الذي كان يرعى جهود هذا العالم الرباني ويسدّد خطاه تتويجا لإخلاصه وصفاء نيّته ، وأوّل ما يطالعنا في هذا المضمار هو ما ذكره المؤرخون من قصة تتلمذ العلمين الشريفين المرتضى والرضي على يد هذا الشيخ العظيم ، حيث إنّه (قدس سره) رأى في ليلة مجيئهما للتتلمذ السيدة الصديقة فاطمة الزهراء عليهاالسلام ومعها ولداها الحسن والحسين (عليهما السلام) صغيرين والشيخ جالس في مسجده بالكرخ ، فسلّمتهما إليه وقالت له : « علّمهما الفقه » ، فانتبه متعجبا من ذلك ، فلما تعالى النهار في صبيحة تلك الليلة دخلت عليه فاطمة بنت الناصر في المسجد ـ وكانت امرأة جليلة ـ وحولها جواريها وبين يديها ابناها محمّد الرضي وعلي المرتضى صغيرين ، فقام
(١٨٨)سير أعلام النبلاء ١٧: ٣٤٤نقلاً عن ابن أبي طي .