فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٢٨٨
وقد كانت الشيعة والحنابلة تشكّلان أهم ركائز التكوين المذهبي في بغداد . ولم تكن الحياة آنذاك تخلو من تجاذبات مذهبية بين المذاهب والفرق .
ويحدثنا « آدم متز » عن التكوين المذهبي والبيئي في بغداد في القرن الرابع فيقول : « وكانت بغداد هي العاصمة بمعنى الكلمة الحقيقي ، وآية ذلك أنّ جميع الحركات الروحية في مملكة الإسلام كانت تتلاطم أمواجها في بغداد ، وكان بها لجميع المذاهب أنصار . ولكن أكبر حزبين كانا بها في القرن الرابع الهجري هما الحزبان المتشدّدان في التمسك بمذهبهما وهما الحنابلة والشيعة » .
ثمّ يحدد بالتفصيل مناطق تواجد الشيعة في بغداد قائلاً : « وكان أنصار الشيعة يسكنون بنوع خاص حول سوق الكرخ ، ولم يتعدّوا الجسر الكبير ويحتلّوا باب الطاق إلاّ في أواخر القرن الرابع الهجري ، ولم يستطيعوا التعدي إلى القسم الغربي ؛ لأنّ الهاشميين ( العباسيين ) يكوّنون عصبة قوية هناك ولاسيّما حول باب البصرة ، وكانوا من أشد أعداء الشيعة . على أنّ ياقوتا وجد أنّ أهل محلّة « باب البصرة » ـ بين كرخ بغداد والقبلة ـ كلهم سنية حنابلة ، وأنّ عن يسار الكرخ وفي جنوبها سنيّة ، أمّا الكرخ فأهلها كلهم شيعة إمامية لا يوجد فيهم سنّي البتة . وإلى جانب ما تقدم كان « باب الشعير » غربي شاطئ دجلة من أكبر مراكز أهل السنة » (٧٥).
وكانت دار الشيخ المفيد تقع بـ « درب رياح » يعقد فيها مجلسه الذي يحضره كافّة العلماء (٧٦).
وأمّا مسجده الذي كان يمارس فيه نشاطه العلمي ويلقي دروسه فيه فهو « مسجد براثا » بالكرخ الذي يصفه ابن كثير في حوادث سنة ( ٣٥٤ )بأنّه عشّ الشيعة آنذاك (٧٧). وقد كان هذا المسجد سابقا بيد الشيعة في سنة ( ٣١٣ هـ ) ولكنه سوّي بالأرض بأمر الخليفة ووصل بالمقبرة التي تليه ، ثمّ أمر « بجكم »
(٧٥)الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري ١ : ١٣٣.
(٧٦)المنتظم في تأريخ الملوك والاُمم ٨ : ١١.
(٧٧)البداية والنهاية ١١: ٢٥٤.