فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٩٥ - الفقه الجزائي والسياسة الجنائية / ٢ / طوبى الشاكري
ج ـ مكانة مبدأ القانونية عند الفقهاء الشيعة :
إنّ شدة اهتمام الشارع بمبدأ القانونية والأمر بالتحفظ والثبات عليه في القضاء ، قد دعت الفقهاء الشيعة إلى التحذير والتخويف من التصدي لمقام القضاء وتعظيم شأنه على مدى تاريخ الفقه .
فالشيخ الصدوق يبدأ كتاب القضاء في « المقنع » بهذه العبارة : « إياك والقضاء فاجتنبه ! فإن القضاء أشد المنازل في الدين ، ولا يفي به إلا نبي أو وصي نبي » (٣٨).
وما من شك في أن العلم الصائب للنبي والوصي بالأحكام وأوامر الله ونواهيه وعصمتهما من الخطأ في التطبيق هو دليل كفاءتهما لبلوغ هذه المنزلة الرفيعة . ولذلك فإن الشيخ الصدوق يواصل كلامه قائلاً : « اعلم من جلس للقضاء فإن أصاب الحق في الحكم فبالحري أن يسلم ، وإن أخطأ أخطأ طريق الجنة » (٣٩).
وظاهر هذا الرأي الفقهي الروائي الذي يمثل فتوى نابعة من النصوص الروائية ، يتعارض مع الخبر النبوي المشهور الذي يقول فيه (صلى الله عليه و آله و سلم) : « إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر » (٤٠)؛ لأن ظاهر الخبر النبوي هو الدفع نحو الاجتهاد في الأحكام والتصدي لمقام القضاء ، في حين نجد في قول الصدوق تحذيراً من هذا الأمر يطابق ما جاء في مرسلة محمد بن خالد البرقي .
ففي خبر خالد يقسّم الإمام الصادق (عليه السلام) الأحكام الصادرة عن القضاة إلى مجموعتين بشكل قضية منفصلة مانعة الخلو قائلاً : « الحكم حكمان : حكم الله ـ عزوجل ـ وحكم الجاهلية ، فمن أخطأ حكم الله حكم بحكم الجاهلية » (٤١). وهذا التقسيم بحكم الآية الكريمة : {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من اللّه حكما لقوم يوقنون } (٤٢)ينبعث عن اجتهاد الفقيه والإعمال الصحيح لقواعد الدلالة .
(٣٨)المقنع : ٣٩٥.
(٣٩)المصدر السابق .
(٤٠)وسائل الشيعة ٢٧: باب ١٥من أبواب صفات القاضي ، ح ٦ .
(٤١)الكافي ٧ : ٤٠٧.
(٤٢) المائدة : ٥٠.