سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٢٣
الضباب ، لا تأخذون لله حقاً ، ولا تمنعون له حرمة ، وكأني أنظر إليهم يقتلون صلحاءكم ، ويخيفون علماءكم ، وكأني أنظر إليكم يحرمونكم ويحجبونكم ، ويدينون الناس دونكم فلو قد رأيتم الحرمان ، ولقيتم الذل والهوان ، ووقع السيف ونزل الخوف ، لندمتم وتحسرتم على تفريطكم في جهاد عدوكم ، وتذكرتم ما أنتم فيه من الخفض والعافية ، حين لا ينفعكم التذكار .
فقال الناس : قد علمنا يا أمير المؤمنين أن قولك كله وجميع لفظك يكون حقاً ، أترى معاوية يكون علينا أميراً ؟
فقال : لا تكرهوا إمرة معاوية ، فإن إمرته سلم وعافية ، فلو قد مات رأيتم الرؤوس تندر عن كهولها كأنها الحنظل ، وعداً كان مفعولاً ، فأما إمرة معاوية فلست أخاف عليكم شرها ، ما بعدها أدهى وأمر !
ثم قام أبو أيوب الأنصاري فقال : إن أمير المؤمنين أكرمه الله قد أسمع من كانت له أذن واعية وقلب حفيظ ، إن الله قد أكرمكم به كرامة ما قبلتموها حق قبولها ، حيث نزل بين أظهركم ابن عم رسول الله ( ( ٨ ) ) وخيرالمسلمين وأفضلهم وسيدهم بعده ، يفقهكم في الدين ، ويدعوكم إلى جهاد المحلين فوالله لكأنكم صم لا تسمعون ، وقلوبكم غلف مطبوع عليها فلا تستجيبون ! عباد الله ، أليس إنما عهدكم بالجور والعدوان أمس ، وقد شمل العباد ، وشاع في الإسلام ، فذو حق محروم ، ومشتوم عرضه ، ومضروب ظهره ، وملطوم وجهه ، وموطوء بطنه ، وملقى بالعراء ، فلما جاءكم أمير المؤمنين صدع بالحق ونشرالعدل وعمل بالكتاب ، فاشكروا نعمة الله عليكم ، ولاتتولوا مجرمين ، ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون ! إشحذوا السيوف ، وجددوا آلة الحرب ، واستعدوا للجهاد ، فإذا دعيتم فأجيبوا ، وإذا أمرتم فأطيعوا تكونوا بذلك من الصادقين .
قال : ثم قام رجال من أصحاب علي فقالوا : يا أمير المؤمنين أعط هؤلاء هذه الأموال ، وفضل هؤلاء الأشراف من العرب وقريش على الموالي ، ممن يتخوف خلافه على الناس وفراقه . وإنما قالوا له هذا الذي كان معاوية يصنعه بمن أتاه ،