سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٢٢
ستلقون بعدي ذلاً شاملاً وسيفاً قاتلاً ، وأثرةً يتخذها الظالمون بعدي عليكم سنة تفرق جماعتكم ، وتُبكي عيونكم ، وتدخل الفقر بيوتكم . تمنون والله عندها أن لو رأيتموني ونصرتموني ! وستعرفون ما أقول لكم عما قليل !
إستنفرتكم فلم تنفروا ، ونصحت لكم فلم تقبلوا ، وأسمعتكم فلم تعوا ، فأنتم شهود كأغياب ، وصم ذوو أسماع ، أتلو عليكم الحكمة ، وأعظكم بالموعظة النافعة ، وأحثكم على جهاد المحلين ، الظلمة الباغين ، فما آتي على آخر قولي حتى أراكم متفرقين ، إذا تركتكم عدتم إلى مجالسكم حلقاً عزين ، تضربون الأمثال ، وتناشدون الأشعار ، تربت أيديكم ، وقد نسيتم الحرب واستعدادها ، وأصبحت قلوبكم فارغة عن ذكرها ، وشغلتموها بالأباطيل والأضاليل ! فقام إليه الأشعث بن قيس الكندي فقال : يا أمير المؤمنين فهلا فعلت كما فعل عثمان ؟
قال له علي : ويلك وما فعل عثمان ، رأيتني عائذاً بالله من شرما تقول ، والله إن الذي فعل عثمان لمخزاةٌ على من لا دين له ، ولا حجة معه ، فكيف وأنا على بينة من ربي ، والحق معي ، والله إن امرأ أمكن عدوه من نفسه ، فنهش عظمه وسفك دمه ، لعظيم عجزه ، ضعيف قلبه !
أنت يا ابن قيس فكن ذلك ، فأما أنا فوالله دون أن أعطي ذلك ضرب بالمشرفي يطير له فراش الرأس ، وتطيح منه الأكف والمعاصم ، وتجدُّ به الغلاصم ويفعل الله بعد ذلك ما يشاء .
والله يا أهل العراق ، ما أظن هؤلاء القوم من أهل الشام إلاظاهرين عليكم ! فقالوا : أبعلم تقول ذلك يا أمير المؤمنين ؟ فقال : نعم ، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ، إني أرى أمورهم قد علت ، وأرى أموركم قد خبت ، وأراهم جادين في باطلهم ، وأراكم وانين في حقكم ، وأراهم مجتمعين وأراكم متفرقين ، وأراهم لصاحبهم معاوية مطيعين ، وأراكم لي عاصين !
أما والله لئن ظهروا عليكم بعدي لتجدنهم أرباب سوء ، كأنهم والله عن قريب قد شاركوكم في بلادكم ، وحملوا إلى بلادهم منكم ، وكأني أنظر إليكم تكشون كشيش