سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٢١
عسكرهم ، ويوطنوا أنفسهم على الجهاد ، وأن يقلوا من زيارة أبنائهم ونسائهم ، حتى يسيروا إلى عدوهم من أهل الشام ، فأقاموا معه أياماً ، ثم رجعوا يتسللون ويدخلون الكوفة ، ويتلذذون بنسائهم وأبنائهم ولذاتهم ، حتى تركوا علياً وما معه إلا نفرمن وجوه الناس يسيروتُرك العسكر خالياً .
فقام علي على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس ، استعدوا للمسير إلى عدو في جهاده القربة إلى الله ، ودرك الوسيلة عنده ، فأعدوا له ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ، وتوكلوا على الله ، وكفى به وكيلاً ، ثم تركهم أياماً ، ودعا رؤساءهم ووجوههم ، فسألهم عن رأيهم ، وما الذي ثبطهم ؟ فمنهم المعتل ومنهم المتكره ، وأقلهم من نشط ، فقال لهم علي : عباد الله ، مالكم إذا أمرتكم أن تنفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة بدلاً ، ورضيتم بالذل والهوان من العز خلفاً ، كلما ناديتكم إلى الجهاد دارت أعينكم ، كأنكم من الموت في سكرة ، وكانت قلوبكم قاسية ، فأنتم لا تعقلون ، وكأن أبصاركم كُمْهٌ فأنتم لاتبصرون ! لله أنتم ، ما أنتم إلا أسود رواعة ، وثعالب رواغة عند البأس ، تُكادون ولا تكيدون وتنتقص أطرافكم فلا تحاشون ، وأنتم في غفلة ساهون : إن أخا الحرب ليقظان .
أما بعد فإن لي عليكم حقاً ، ولكم علي حق . . فإن يرد الله بكم خيراً تنزعوا عما أكره ، وترجعوا إلى ما أحب ، تنالوا بذلك ما تحبون ، وتدركوا ما تأملون .
أيها الناس : المجتمعة أبدانهم ، المختلفة أهواؤهم ، ما عزت دعوة من دعاكم ، ولا استراح قلب من قاساكم ، كلامكم يوهي الصم ، وفعلكم يطمع فيكم عدوكم ، إذا أمرتكم بالمسير قلتم كيت وكيت ، أعاليل بأضاليل ، هيهات ، لا يدرك الحق إلا بالجد والصبر ، أيَّ دار بعد داركم تمنعون ؟ ومع أي إمام بعدي تقاتلون ؟ المغرور والله من غررتموه ، ومن فاز بكم فاز بالسهم الأخيب ! أصبحت لا أطمع في نصرتكم ، ولا أصدق قولكم ، فرق الله بيني وبينكم ، وأعقبني بكم من هو خير لي ، وأعقبكم بعدي من هو شرلكم مني ، أما إنكم