تنقيح الأصول - الخميني، السيد روح الله - الصفحة ١٧٠ - الفصل السادس عشر في بقاء الجواز بعد نسخ الوجوب
المنسوخ رأساً.
قال: قلت: إنّ حكومته إنّما هي بالنسبة إلى بعض مدلوله؛ أي بالنسبة إلى ظهوره في الإلزام، و أمّا بالنسبة إلى ظهوره في الرخصة و الرجحان فلا.
اللهمّ إلّا أن يُقال: إنَّ الناسخ حاكم على المنسوخ و ظهوره بأسره و تمامه، لكن مع فرض كون الدليل الناسخ مجملًا بالنسبة إلى رفع غير الإلزام من المراتب، فيمكن أن يقال ببقاء ظهوره بالنسبة إلى الرجحان أو أصل الجواز على فرض عدم سراية إجماله إلى دليل المنسوخ و صيرورته مُجملًا [١].
أقول: أمّا القياس الذي ذكره فهو في غير محلّه، و أنّه مع الفارق.
توضيح ذلك: أنّه لو قال: «أكرم العلماء»، ثمّ قال: «لا بأس بترك إكرامهم»، فإنّ الجمع العُرفيّ بينهما يقتضي الحمل على الاستحباب؛ و ذلك لما عرفت سابقاً: من أنَّ هيئة الأمر ليست موضوعة للوجوب، بل حملها على الوجوب إنّما هو لأجل أنّه يصحّ للمولى على العبد الاحتجاج بالأمر، و لا يصحّ اعتذاره: بأنّه احتمل الاستحباب، فمع تحقُّق الأمر و لو بنحو الإطلاق يتحقّق موضوع صحّة العقاب بحكم العرف و العقلاء، و هو إنّما يصحّ إذا لم يصرِّح المولى بخلافه، و إلّا فلا ينتزع منه الوجوب، كما هو المفروض في المثال.
و لو سلّمنا أنّ الهيئة موضوعة للوجوب، لكنّ تصريحه بعدم البأس في ترك الإكرام في المثال، قرينةٌ صريحة في إرادة الاستحباب منها، و أنّها مستعملة في غير ما وُضعت له، و على أيّ تقدير فمقتضى الجمع العرفي في المثال هو إرادة الاستحباب، بخلاف ما نحن فيه، فما ذكره- من أنّ الدليل الناسخ إنّما يرفع ظهوره في الإلزام دون ظهوره في الرجحان أو الرخصة- إنّما يستقيم إذا كان لدليل المنسوخ ظهورات مُتعدّدة: أحدها ظهوره في الإلزام، و ثانيها ظهوره في الرجحان، و ثالثها ظهوره في
[١]- بدائع الأفكار (تقريرات العراقي) ١: ٤١٣- ٤١٤.