تنقيح الأصول - الخميني، السيد روح الله - الصفحة ٦٤ - المبحث الرابع في التقرّب بالواجبات الغيريّة
فيه ما لا يخفى، فلا يمكن القرب و المثوبة بالمقدّمات التوصّلية بوجه.
نعم، المقدّمة التي تصلح ذاتاً للعباديّة و المقرّبيّة، كالطهارات إذا أتى بها مستشعراً بذلك حين فعلها، فهي مقرِّبة و عبادة يترتّب عليها المثوبة، فإنّها بما أنّها ممّا تصلحُ للعباديّة تعلّق بها الأمر الغيري، فمع قصده- أيضاً- تقع عبادة، و قد تقدّم أنّه لا تنافي بين استحبابها ذاتاً و وجوبها بالغير، خلافاً للمحقق العراقي؛ حيث ذكر أنّ الطهارات الثلاث تنحلّ إلى مقدّمتين: إحداهما ذواتها، و ثانيتهما كونها عبادة، فيتعلّق بكلّ واحد منهما أمر غيريّ وجوبيّ، فيلزم أن تكون ذواتها مستحبّة و واجبة كليهما بعنوان واحد، فيضمحلّ الاستحباب.
و أمّا بناءً على ما ذكرناه: من أنّها بما أنّها عبادة مُقدّمة للصلاة و تعلّق بها أمر غيري، فلا منافاة بين استحبابها ذاتاً و وجوبها بالغير؛ لاختلاف متعلَّقَي الوجوب و الاستحباب باختلاف العنوان، فهي- بما أنّ ذواتها تصلح للعباديّة- مستحبّةٌ، و بما أنّها عبادة و تتوقّف عليها الصلاة واجبةٌ، نظير النذر إذا تعلّق بصلاة الليل كما تقدَّم.
و أمّا ما يظهر من بعض: من أنّ الأمر النذري يكتسب العباديّة من صلاة الليل في المثال، و صلاة الليل تكتسب الوجوب من الأمر النذري [١]، فلم نتعقّله، و لم يُعلم المراد منه.
و إذا عرفت أنّ الطهارات الثلاث ممّا تصلح ذواتها للعباديّة و المقرّبيّة، فلو توضّأ قبل دخول الوقت بداعي الاستحباب، جاز الصلاة به و الاكتفاء به؛ لعدم توقّف الصلاة إلّا على طهارة قربيّة، و هي متحقّقة، و كذا لو دخل الوقت، لكن توضّأ بداعٍ آخر غير داعي التوصُّل بها إلى الصلاة، مثل قراءة القرآن، و لو توضّأ للتوصُّل بها إلى الصلاة بدون قصد القربة، فهي باطلة مُطلقاً، سواء كان قبل دخول الوقت أم بعده، و لو توضّأ قبل دخول الوقت بداعي الاستحباب، لكن يعلم بأنّه سيدخل الوقت،
[١]- فوائد الاصول ١: ٢٢٩.