تنقيح الأصول - الخميني، السيد روح الله - الصفحة ٣٧٣ - أمّا وجوب الفحص عن المخصِّص مع عدم العلم الإجمالي بوجوده في البين
مقام جعل القوانين الكلّيّة؛ و ذلك لأنّ الاحتجاج في مقام المخاصمة و اللجاج يتوقّف على ظهور الكلام في العموم و جريان أصالة الجدّ، و البناء على ذلك من العقلاء ثابت في العمومات الصادرة منهم في مُحاوراتهم العُرفيّة، لا في مقام جعل القانون. و أمّا في مقام جعل القوانين، فقد استقرّ بناء العقلاء و ديدنهم على الفحص عن المخصِّصات للعمومات الصادرة في هذا المقام، و ليس بناؤهم على أصالة الظهور و الجدّ فيها بمجرّد صدورها، و العمومات الصادرة من الشارع من هذا القبيل [١]، و هو المراد من مَعْرَضيّتها للتخصيص، كما عرفت أنّه استقرّ بناء العقلاء على جعل القوانين الكلّيّة أوّلًا، ثمّ بيان المخصِّصات و المُقيّدات و الاستثناءات في موادّ و فصول متأخّرة عنه، و بعد الفحص بالمقدار المعتبر تخرج عن المَعْرَضيّة للتخصيص، و حينئذٍ يصحّ التمسُّك بها.
و انقدح ممّا ذكرنا: أنّه لا فرق بين الفحص هنا و بينه في مسألة البراءة، و أنّ البحث في كلا المقامين إنّما هو عن مُتمِّم الحجّيّة، فكما أنّه لا يصحّ الاحتجاج بأصالة البراءة إلّا بعد الفحص عن الدليل و البيان، كذلك فيما نحن فيه، فإنّ العامّ بمجرّد صدوره و ظهوره ليس حجّة تامّة يصحّ الاحتجاج به، إلّا بعد جريان أصالة الجدّ، التي لا تجري إلّا بعد الفحص عن المخصِّص، فلا فرق بين المقامين في أنّ الفحص إنّما هو عن مُتمّم الحجّة.
ثمّ إنّه قد يقال- و القائل شيخنا الحائري (قدس سره)-: إنّه لو ظُفر بالفحص بمخصِّص مجمل بحسب المفهوم؛ مردّد بين الأقلّ و الأكثر كالفاسق المردّد بين مرتكب الكبائر و الصغائر أو الكبائر فقط، فإجماله يسري إلى العامّ و يصير مُجملًا [٢].
لكن بعد التأمّل فيما ذكرنا تعرف: أنّ ما ذكره (قدس سره) غير مستقيم؛ لما عرفت من أنّ العامّ ظاهر في عمومه قبل الفحص و بعده، مع الظفر بالمخصّص و عدمه، غاية الأمر
[١]- انظر كفاية الاصول: ٢٦٥.
[٢]- انظر درر الفوائد: ٢٢٣- ٢٢٤.