التنقيح - الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ٣٩٣
راوي أحدهما أصدق، و ليس هذه الصفة مثل الأعدلية و شبهها في احتمال كون العبرة بالظن الحاصل من جهتها بالخصوص، و لذا ١ اعتبر الظن الحاصل من عدالة البينة دون الحاصل من مطلق ٢ وثاقته ٣، لأن صفة الصدق ليست إلا المطابقة للواقع، فمعنى الأصدق هو الأقرب إلى الواقع ٤، فالترجيح بها يدل على أن العبرة بالأقربية من أي سبب
(١) تعليل لاحتمال خصوصية العدالة في الترجيح و عدم رجوع الترجيح بها إلى الترجيح بمطلق الأقربية.
(٢) و لو كان ملاك أخذ العدالة هو القرب للواقع لم يفرق بينها و بين الوثاقة، و حيث فرق بينهما في الحجية كشف عن خصوصية العدالة في ذلك، و هذا مما يوجب احتمال خصوصية العدالة في الترجيح في المقام.
(٣) تعليل لقوله: «و ليس هذه الصفة مثل الأعدلية ...».
(٤) هذا و إن سلم لا ينفع، لأن الترجيح ليس بأصدقية الخبر، حتى يرجع إلى الترجيح بأقربيته للواقع، بل بأصدقية الراوي، فلا وجه للتعدي إلى مطلق الاقربية و لو من غير جهة الراوي. بل يمتنع الترجيح بأصدقية الخبر، لأن معنى الصدق ليس هو القرب للواقع، حتى يكون معنى الأصدق هو الأقرب، بل المطابقة له، و هو أمر لا يقبل الزيادة و النقصان، بل الوجود و العدم لا غير، فلا معنى للتفضيل و التعبير بالأصدق. و حمله على أصل الصدق في مقابل عدمه، نظير قولنا: الصدق خير من الكذب، لا مجال له أيضا لأن معرفة صدق الخبر و كذب معارضه كافية في العمل به دون معارضه بلا حاجة إلى الترجيح الشرعي، فلا بد من تنزيله على أصدقية الراوي من حيث شدة ملكة الصدق فيه في مقابل الراوي الآخر الذي تضعف فيه الملكة.
فتأمل.
هذا مع أن الترجيح بالأصدقية لم يذكر إلا في مقبولة ابن حنظلة، و هي ظاهرة في أن ذكرها للترجيح بين الحكمين لا بين الروايتين، فهي أجنبية عما نحن فيه.