التنقيح - الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ١٨٦ - كلام آخر للفاضل النراقي
و المراد بالترجيح بلا مرجح هو سكون النفس إلى أحد الطرفين ١ و الميل إليه من غير مرجح و إن لم يحكم بتعيينه وجوبا، و أما الحكم بذلك فهو أمر آخر وراء ذلك. ثم أوضح ذلك بأمثلة:
منها: أنه لو دار أمر العبد في أحكام السلطان المرسلة إليه بين أمور، و كان بعضها مظنونا بظن لم يعلم حجيته من طرف السلطان، صح له ترجيح المظنون، و لا يجوز له الحكم بلزوم ذلك ٢.
و منها: أنه لو أقدم إلى أحد طعامان أحدهما ألذ من الآخر فاختاره عليه، لم يرتكب ترجيحا بلا مرجح ٣، و إن لم يلزم أكل الألذ، و لكن لو راجع إلى ملاك الحكم، و ما هو الممتنع هو الترجح بلا مرجح نفسي يكون هو العلة الخارجية له و لا يتوقف على الملاك، و لا وجه للخلط بينهما.
(١) لا يخفى أن سكون النفس ليس ترجيحا، و ليس الترجيح إلا الجزم بالرجحان بحيث يجزم بالراجح و يترك المرجوح.
نعم هو تارة: يكون بنحو الإلزام. و أخرى: يكون بدونه. و كلاهما لا يصح عند العقلاء الا مع الملاك المقتضي له.
(٢) لعدم حجية الظن. و قد أراد بهذا أن الظن و إن لم يكن حجة يمكن أن يكون مرجحا، بحيث لا يمتنع الترجيح معه و لا يقبح.
(٣) بل لو لم يكن أحدهما ألذ فاختار أحدهما لعدم إمكان الجمع بينهما أو لوفاء أحدهما بالغرض لم يكن ترجيحا بلا مرجح. نعم لا بد في خصوصية أحدهما بالاختيار من علة نفسية تقتضي ذلك، و لو لقربه إليه، كما ذكرنا.
و بعبارة أخرى: الترجيح في مقام الحكم يقبح مع عدم الملاك، و أما الترجيح في مقام العمل فيكفي أدنى جهة مقتضية و لو مع عدم الترجيح ملاكا.