سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٤٨ - تنبيهات
الثاني: قال ابن القيم: لم يحفظ عنه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- أن اعتمر في السنة إلا مرة واحدة، و قد ظن بعض الناس أنه اعتمر في سنة مرتين، و احتج بما رواه أبو داود في «سننه» عن عائشة- رضي اللّه تعالى عنها- أن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- اعتمر عمرتين: في ذي القعدة و عمرة في شوال، قالوا: و ليس المراد بهذا ذكر مجموع ما اعتمره فإن أنسا و عائشة، و ابن عباس و غيرهم، قد قالوا: إنه اعتمر أربع عمر، فعلم أن مرادها أنه اعتمر في سنة مرتين. مرة في ذي القعدة، و مرة في شوال، و هذا الحديث و هم و إن كان محفوظا عنها فإن هذا لم يقع قط، و تقدم بيان عمره، و متى وقعت، فمتى اعتمر في شوال، و لكن لقي العدو في شوال و خرج فيه من مكة و قضى عمرته لما فرغ من أمر العدو، و في ذي القعدة ليلا و لم يجمع ذلك العام بين عمرتين لا قبله و لا بعده، و من له عناية بأيامه، و سيرته، و أحواله، لا يشك و لا يرتاب في ذلك.
الثالث: قال: في «زاد المعاد»: لم يقل أحد من أهل العلم، أنه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- اعتمر من التنعيم بعد حجه، و إنما يظنه العوام و من لا خبرة له بالسنة.
الرابع: قال فيه أيضا: غلط من قال: إنه لم يعتمر في حجته أصلا، و السّنة الصحيحة المستفيضة التي لا يمكن ردها تبطل هذا القول.
الخامس: قال فيه أيضا غلط من قال: إنه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- اعتمر عمرة حل منها ثم أحرم بعدها بالحج من مكة، و الأحاديث الصحيحة تبطل هذا القول و ترده.
السادس: روى البخاري، عن البراء بن عازب- رضي اللّه تعالى عنهما- قال: «اعتمر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- في ذي القعدة قبل أن يحج مرتين» [١].
و روى أبو داود، عن مجاهد، قال: سئل ابن عمر: اعتمر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-؟ فقال:
مرتين فقالت عائشة: لقد علم ابن عمر أن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- اعتمر ثلاثا سوى التي قرنها بحجة الوداع [٢].
قال في «زاد المعاد» أراد العمرة المفردة المستقلة التي تمت و لا ريب أنهما اثنتان، فإن عمرة القران لم تكن مستقلة، و عمرة الحديبية صدّ عنها و حيل بينه و بين إتمامها.
و قال في موضع آخر: «لا يناقض حديث ابن عمر- أي السابق- قوله: «إن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- قرن بين الحج و العمرة»، لأنه أراد العمرة الحاصلة المفردة.
و لا ريب أنهما عمرتان: عمرة القضاء، و عمرة الجعرّانة، و عائشة أرادت العمرتين المستقلتين: فإن عمرة القران، لم تكن مستقلة و عمرة الحديبية صدّ عنها، و لا ريب أنها أربع
[١] البخاري ٣/ ٧٠٢ (١٧٨١، ١٨٤٤، ٢٩٩٨، ٢٩٩٩، ٢٧٠٠، ٣١٨٤، ٤٢٥١).
[٢] أبو داود ٢/ ٢٠٥ (١٩٩٢).