سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٨١ - ذكر نزوله- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- بذي طوى، و دخوله مكة، و طوافه و سعيه
و نهى أن يبيت أحد بليالي منى، و رخص للرعاة أن يبيتوا عند منى، من جاء منهم فرمى بالليل أرخص له في ذلك و قال: ارموا بمثل حصى الخذف [١].
كان أزواجه يرمين مع الليل، ثم رجع رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- إلى منى من يومه ذلك فبات بها، فلما أصبح انتظر زوال الشمس،
فلما زالت الشمس مشى من رحله إلى الجمار و لم يركب، فبدأ بالجمرة الأولى، التي تلي مسجد الخيف فرماها بسبع حصيات واحدة بعد واحدة، يقول مع كل حصاة: «اللّه أكبر»
ثم يقدم على الجمرة أمامها حتى أسهل فقام مستقبل القبلة ثم رفع يديه و دعا دعاء طويلا بقدر سورة البقرة، ثم أتى- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- إلى الجمرة الوسطى فرماها كذلك، ثم انحدر ذات اليسار، مما يلي الوداع فوقف مستقبل القبلة رافعا يديه يدعو قريبا من وقوفه الأول ثم أتى الجمرة الثالثة، و هي جمرة العقبة، فاستبطن الوادي و استعرض الجمرة، فجعل البيت عن يساره، و منى عن يمينه فرماها بسبع حصيات كذلك، و لم يرمها من أعلاها كما يفعل الجهال، و لا جعلها عن يمينه، و استقبل البيت وقت الرمي كما ذكره غير واحد من الفقهاء.
فلما أكمل الرمي من فوره و لم يقف عندها، فقيل: لضيق المكان بالجبل، و قيل: و هو الأصح أن دعاءه كان في نفس العبادة قبل الفراغ منها، فلما رمى جمرة العقبة فرغ الرمي، و الدعاء في صلب العبادة قبل الفراغ منها أفضل منه بعد الفراغ منها، و ذكر ما يتعلق بالدعاء بعد الصلاة، و قد تقدم بما فيه.
قال: و الذي يغلب على الظن أنه كان يرمي قبل الصلاة، ثم يرجع فيصلي، لأن جابرا و غيره قالوا: كان يرمي إذا زالت الشمس فعقبوا زوال الشمس برميه و أيضا فإن وقت الزوال للرمي أيام منى، كطلوع الشمس لرمي يوم النحر.
و روى الترمذي، و ابن ماجة، عن ابن عباس- رضي اللّه تعالى عنهما- قال: كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- يرمي الجمار إذا زالت الشمس زاد ابن ماجة. قدر ما إذا فرغ من رميه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- صلى الظهر [٢].
و ذكر الإمام أحمد: أنه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- كان يرمي يوم النحر راكبا، و أيام منى ماشيا، في ذهابه و رجوعه.
قال ابن القيم: و قد تضمّنت حجّته- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- ست وقفات للدعاء في الموقف: الأول:
[١] أخرجه مالك ١/ ٢٨٤ و الترمذي (٩٥٤، ٩٥٥) و أبو داود ١٩٧٥ و ١٩٧٦ و النسائي ٥/ ٢٧٣ و ابن ماجة (٣٠٣٦) (٣٠٣٧) و ابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد (١٠١٥) و الحاكم ١/ ٤٧٨ و رواية الحصى انظر مسلم (١٢٨٢).
[٢] الترمذي ٣/ ٢٤٣ (٨٩٨) و ابن ماجة ٢/ ١٠١٤ (٣٠٥٤).