سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٨٠ - ذكر نزوله- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- بذي طوى، و دخوله مكة، و طوافه و سعيه
و روى الشيخان، عن ابن عباس قال: طاف رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجنه.
قال ابن القيم: و هذا الطواف ليس بطواف الوداع فإنه كان ليلا، و ليس بطواف القدوم، لوجهين:
أحدهما: أنه قد صح عنه. أن الرّمل في طواف القدوم. و لم يقل أحد قط رملت به راحلته و إنما قالوا رمل نفسه.
و الثاني قول عمرو بن الشريد: أفضت مع رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- فما مست قدماه الأرض حتى أتى جمعا، و هذا ظاهره، أنه من حين أفاض معه، ما مست قدماه الأرض إلى أن رجع، و لا ينقض هذا بركعتي الطواف، فإن شأنهما معلوم، قال: و الظاهر أن عمرو بن الشريد إنما أراد الإفاضة معه من عرفة، و لهذا قال: حتى أتى جمعا و هي مزدلفة، و لم يرد الإفاضة إلى البيت يوم النحر، و لا ينقض هذا بنزوله عند الشعب حين بال ثم ركب، لأنه ليس بنزول مستقر، و إنما مست قدماه الأرض مسّا عارضا.
ثم رجع- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- إلى منى.
و اختلف: أين صلى الظهر يومئذ؟ ففي الصحيحين عن ابن عمر: أنه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى. و في مسلم عن جابر أنه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- صلى الظهر بمكة، و كذلك قالت عائشة و اختلف في ترجيح أحد القولين على الآخر.
و رجح أبو محمد بن حزم و غيره الثاني، و رجح ابن القيم الأول.
و قال ابن كثير: فإن علمنا بها أمكن أن يقال: إنه (عليه الصلاة و السلام) صلى الظهر بمكة، ثم رجع إلى منى فوجد الناس ينتظرونه، فصلى بأصحابه بمنى أيضا.
و طافت عائشة في ذلك اليوم طوافا واحدا و سعت سعيا واحدا أجزأها عن حجها و عمرتها و قال في موضع آخر: يحتمل أنه رجع إلى منى، في آخر وقت الظهر، فصلى و طافت صفية ذلك اليوم. ثم حاضت، قال: فأجزأها طوافها ذلك عن طواف الوداع و لم تودع.
و كان رمي الجمار حين تزول الشمس قبل الصلاة، و كان إذا رمى الجمرتين علاهما و رمى جمرة العقبة من بطن الوادي.
و كان يقف عند الجمرة الأولى أكثر مما يقف عند الثانية، و لا يقف عند الثالثة، و إذا رماها انصرف، و كان إذا رمى الجمرتين وقف عندهما، و رفع يديه لا يقول ذلك في رمي العقبة فإذا رماها انصرف.