سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٧٩ - ذكر نزوله- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- بذي طوى، و دخوله مكة، و طوافه و سعيه
قلت: و نادى مناديه بمنى أنها أيام أكل و شرب و باءة ذكره ابن سعد [١].
فانتهى المسلمون عن صيامهم إلا محصورا بالحج أو متمتعا بالعمرة إلى الحج، فإن الرّخصة من رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- أن يصوموا أيام منى، و اللّه تعالى أعلم.
ثم أفاض- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- إلى مكة قبل الظهر راكبا، (و أردف معاوية بن أبي سفيان من منى إلى مكة)، فطاف طواف الإفاضة، و هو طواف الزيارة، و هو طواف الصدر، و لم يطف غيره، قال: هو الصواب.
في حديث عائشة، و ابن عباس: أن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- أخّر طواف يوم النّحر إلى الليل [٢]، علقه البخاري، و رواه الأربعة.
قلت: قال ابن كثير: و الأشبه أن هذا الطواف كان قبل الزوال، و يحتمل أنه كان بعده.
فإن حمل هذا أنّه أخّر ذلك إلى ما بعد الزوال كأنه يقول: إلى العشي صح ذلك، و أما إن حمل على ما بعد الغروب فهو بعيد جدا، و مخالف لما ثبت في الأحاديث الصحيحة من أنه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- طاف يوم النحر نهارا، و شرب من سقاية زمزم، و أما الطواف بالليل، فهو طواف الوداع، و من الرواة من يعبّر عنه بطواف الزيارة
ثم أتى زمزم بعد أن قضى طوافه، و هم يسقون، فقال: «لولا أن يغلبكم الناس عليها يا ولد عبد المطلب لنزلت، فسقيت معكم» [٣].
و يقال: إنه نزع دلوا لنفسه، ثم ناوله الدلو، قلت: ثم مجّ فيها فأفرغ على سقايتهم في زمزم.
و في حديث ابن عباس عند البخاري أن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- جاء إلى السقاية فاستسقى فقال العباس: يا فضل اذهب إلى أمك فائت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- بشراب من عندها، فقال:
اسقني، فقالت: يا رسول اللّه إنهم يجعلون أيديهم فيه، قال: «اسقني (مما يشرب الناس)»، فشرب منه، ثم أتى زمزم [٤]،
و اللّه تعالى أعلم.
قال: فشرب و هو قائم.
قال: و الأظهر أن ذلك كان للحاجة، و هل كان في طوافه هذا راكبا؟ أو ماشيا؟. و قد تقدم ما رواه مسلم و غيره، عن جابر، قال: طاف رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- بالبيت في حجة الوداع على راحلته يستلم الحجر بمحجنه، لأن يراه الناس و ليشرف و ليسألوه فإن الناس غشوه.
[١] الطبقات ٢/ ١٢٥.
[٢] أخرجه أبو داود (٢٠٠٠).
[٣] تقدم.
[٤] أخرجه ٢/ ٣٠٣ (١٦٣٥) و البيهقي ٥/ ١٤٧ و الطبراني في الكبير ١١/ ٣٤٥ و ابن سعد ٤/ ١/ ١٧.