سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٧٨ - ذكر نزوله- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- بذي طوى، و دخوله مكة، و طوافه و سعيه
أشار إلى الحلّاق، فحلق جانبه الأيسر، ثم قال: «هاهنا أبو طلحة»، فدفعه إليه.
قال ابن سعد: و حلق رأسه و أخذ من شاربه و عارضيه و قلم أظفاره و أمر بشعره و أظفاره أن تدفن [١].
و روى البخاري، عن ابن سيرين، عن أنس- رضي اللّه تعالى عنه- «أن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- لما حلق رأسه كان أبو طلحة أول من أخذ شعره، قال: و هذا لا يناقض رواية مسلم: لجواز أن يصيب أبا طلحة من الشق الأيمن مثل ما أصاب غيره، و يختص بالشق الآخر، لكن
قد روى مسلم- أيضا- من حديث أنس «أن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- لما رمى الجمرة و نحر نسكه و حلق ناول الحلاق شقه الأيمن فحلقه، ثم دعا أبا طلحة الأنصاري فأعطاه إياه ثم ناوله الشق الأيسر فقال: «احلق» فحلقه فأعطاه أبا طلحة فقال: «اقسمه بين الناس».
ففي هذه الرواية، كما ترى أن نصيب أبي طلحة كان الشق الأيمن و في الأولى أنه كان الأيسر و في رواية أن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- أعطاه أم سليم و لا يعارض هذا دفعه لأبي طلحة لأنها امرأته، و
في لفظ: فبدأ بالشق الأيمن فوزعه الشعرة و الشعرتين بين الناس، ثم قال: بالأيسر فصنع به مثل ذلك ثم قال: «ها هنا أبو طلحة» فدفعه إليه،
و في لفظ ثالث: دفع إلى أبي طلحة شعر شق رأسه الأيسر، ثم أظفاره و قسمها بين الناس.
و كلمه خالد بن الوليد في ناصيته حين حلق فدفعها إليه فكان يجعلها في مقدم قلنسوته، فلا يلقى جمعا إلا فضّه.
و حلق أكثر أصحابه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و قصّر بعضهم، فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- «اللهم اغفر للمحلقين»، ثلاثا كل ذلك يقال: و المقصرين يا رسول اللّه، فقال: «و المقصرين في الرابعة».
قلت:
قال ابن سعد: و أصاب الطيب بعد أن حلق، و لبس القميص، و حلّ الناس، و جاءه رجل فقال: يا رسول اللّه حلقت قبل أن انحر قال: «انحر و لا حرج»، ثم أتاه آخر فقال: يا رسول اللّه إني أفضت قبل أن أنحر. قال: «احلق و لا حرج»، فما سئل عن شيء يومئذ قدم و لا أخر إلا قال: «افعل و لا حرج» [٢].
و بعث عبد اللّه بن حذافة السهمي، و قيل: كعب بن مالك ينادي في الناس، بمنى: أن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- قال: «إنها أيام أكل و شرب و ذكر اللّه» [٣].
[١] البخاري ١/ ٢٧٣ (١٧١) و مسلم ٢/ ٩٤٧ (٣٢٣/ ١٣٠٥) (٣٢٦/ ١٣٠٥).
[٢] الطبقات ٢/ ١٢٥ و أخرجه مسلم ٢/ ٩٤٩- ٩٥٠ (٣٣٣/ ١٣٠٦).
[٣] أحمد ٣/ ٤١٥.