سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٧٤ - ذكر نزوله- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- بذي طوى، و دخوله مكة، و طوافه و سعيه
لا يستمسك على الراحلة- فأمرها أن تحج عنه، و جعل الفضل ينظر إليها و تنظر إليه، فوضع يده على وجهه فصرفه إلى الشق الآخر لئلا تنظر إليه و لا ينظر إليها.
قلت في حديث جابر و كان الفضل رجلا حسن الشّعر أبيض و سيما، و اللّه تعالى أعلم.
فقال العباس لويت عنق ابن عمك، فقال: «رأيت شابا و شابة، فلم آمن الشيطان عليهما».
و سأله آخر هناك عن أمّه، و قال: «إنها عجوز كبيرة، و إن حملتها لم تستمسك و إن ربطتها خشيت أن أقتلها»، قال: «أ رأيت إن كان على أمك دين أ كنت قاضيه؟» قال: نعم. قال «فحج عن أمك»
فلما أتى بطن محسّر حرك ناقته و أسرع السير، و هذه كانت عادته- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- في المواضع التي نزل فيها بأس اللّه بأعدائه، فإن هنالك أصاب الفيل ما قص اللّه علينا. و لذلك سمي الوادي وادي محسّر، لأن الفيل حسر فيه أي أعيا و انقطع عن الذهاب.
و محسّر برزخ بين منى و مزدلفة لا من هذه و لا من هذه، و عرنة برزخ بين عرفة و المشعر الحرام، فبين كل مشعرين برزخ ليس منها، فمنى من الحرم، و هي مشعر، و محسّر من الحرم و ليس بمشعر، و مزدلفة حرم و مشعر، و عرنة ليست بمشعر، و هي من الحل و عرفة حل و مشعر.
قلت: كذا في أكثر الروايات.
و في حديث أم جندب، عند أبي داود و غيره، أنه كان راكبا يظله الفضل بن العباس و هو غريب مخالف للروايات الصحيحة [١].
و سلك الطريق الوسطى بين الطّريقين، و هي التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى منى.
قلت: قال ابن سعد: و لم يزل يلبّي حتى رمى جمرة العقبة.
«فأتى جمرة العقبة فوقف في أسفل الوادي و جعل البيت عن يساره، و منى عن يمينه، و استقبل الجمرة، و هو على راحلته فرماها راكبا بعد طلوع الشمس، واحدة بعد واحدة، يكبر مع كل حصاة، و حينئذ قطع التلبية و كان في مسيره ذلك يلبي حتى شرع في الرمي، و بلال و أسامة معه، أحدهما آخذ بخطام ناقته، و الآخر يظله بثوب من الحر».
قلت: الذي كان يظله بلال كما في حديث أبي أمامة، عن بعض الصحابة رواه ابن سعد [٢].
[١] أبو داود ٢/ ٢٠٠ (١٩٦٦) و ابن ماجة ٢/ ١٠٠٨ (٣٠٣١).
[٢] الطبقات الكبرى ٢/ ١٢٧.