سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٧٠ - ذكر نزوله- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- بذي طوى، و دخوله مكة، و طوافه و سعيه
أرقاءكم أرقاءكم أطعموهم مما تأكلون، و اكسوهم مما تلبسون، فإن جاء بذنب لا تريدون أن تغفروه فبيعوا عباد اللّه، و لا تعذبوهم، أوصيكم بالجار- حتى أكثر- فقلنا إنه سيورثه.
أيها الناس: إن اللّه قد أدى لكل ذي حق حقه، و إنه لا يجوز وصية لوارث، و الولد للفراش، و للعاهر الحجر، و من ادّعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه، فعليه لعنة اللّه، و الملائكة، و الناس أجمعين، لا يقبل اللّه منه صرفا و لا عدلا، العارية مؤدّاة، و النحلة مردودة، و الدين مقضيّ و الزعيم غارم.
أما بعد: فإن أهل الشرك و الأوثان كانوا يدفعون من ها هنا عند غروب الشمس حتى تكون الشمس على رؤوس الجبال مثل عمائم الرجال على رؤوسها. هدينا مخالف هديهم، و كانوا يدفعون من المشعر الحرام عند طلوع الشمس على رؤوس الجبال مثل عمائم الرجال على رؤوسها. و يقولون: أشرق ثبير كيما نغير فأخر اللّه هذه و قدم هذه، يعني: قدم المزدلفة قبل طلوع الشمس، و أخر عرفة إلى أن تغيب الشمس، و إنا لا ندفع من عرفة حتى تغيب الشمس، و ندفع من المزدلفة حتى تطلع الشمس، و هدينا مخالف لهدي الأوثان و الشرك».
قلت: و
في حديث المسور بن مخرمة- رضي اللّه تعالى عنه- قال: خطبنا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- بعرفات فحمد اللّه و أثنى عليه، ثم قال: «أما بعد: فإن أهل الشرك و الأوثان كانوا يدفعون من هذا الموضع إذا كانت الشمس على رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوهها، و إنا ندفع بعد أن تغيب و كانوا يدفعون من المشعر الحرام إذا كانت الشمس منبسطة»، رواه الطبراني برجال الصحيح [١].
«و أنتم تسألون عنّي فما أنتم قائلون؟» قالوا: نشهد أنك بلغت، و أديت، و نصحت، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء و ينكتها على الناس «اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد».
ثلاث مرات.
قلت:
روى البيهقي، عن ابن عباس- رضي اللّه تعالى عنهما- «أن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- خطب بعرفات، فلما قال: «لبّيك اللهم لبيك، قال إنما الخير خير الآخرة» [٢].
قال أبو محمد: و أرسلت إليه أم الفضل بنت الحارث الهلالية و هي أم عبد اللّه بن عباس بقدح لبن فشربه أمام الناس و وهّماه في ذلك و قال: «إنما كان ذلك بعد ذلك حين وقف بعرفة كما سيأتي».
[١] الطبراني في الكبير ٢٠/ ٢٤.
[٢] البيهقي ٥/ ٤٥.