سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٦٥ - ذكر نزوله- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- بذي طوى، و دخوله مكة، و طوافه و سعيه
البيت فوحّد اللّه- تعالى- و كبره و قال: «لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، له الملك، و له الحمد، و هو على كل شيء قدير، لا إله إلا اللّه وحده، أنجز وعده، و نصر عبده، و هزم الأحزاب وحده»، ثم دعا بين ذلك، قال مثل ذلك ثلاث مرات».
و قام ابن مسعود على الصدع، و هو: الشق الذي في الصفا، فقيل له ها هنا يا أبا عبد الرحمن، قال: هذا و الذي لا إله غيره مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة، ثم نزل إلى المروة يمشي، فلما انصبّت قدماه في بطن الوادي سعي حتى إذا جاوز الوادي و أصعد مشى كذا في حديث جابر عند الإمام أحمد و مسلم من طريق جعفر بن محمد [١].
قالا: لكن روى الإمام أحمد، و مسلم عن محمد بن بكر، و النسائي عن شعيب بن إسحاق و مسلم عن علي بن شهر و عيسى بن يونس كلهم عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، أن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- طاف في حجة الوداع على راحلته بالبيت، و بين الصفا و المروة ليراه الناس. قلت و بكونه سعى راكبا جزم ابن حزم.
و ظاهر الأحاديث عن جابر و غيره، يقتضي أنه مشى خصوصا قوله فلما انصبّت قدماه في الوادي رمل حتى إذا صعد مشى. و جزم ابن حزم: بأن الراكب إذا انصب به بعيره فقد انصب كله و انصبت قدماه أيضا مع سائر جسده.
قال ابن كثير و هذا بعيد جدا.
قالا: و في الجمع بينهما وجه أحسن من هذا و هو: أنّه سعى ماشيا أولا، ثم أتم سعيه راكبا، و قد جاء ذلك مصرحا به، ففي صحيح مسلم، عن أبي الطفيل، قال قلت لابن عباس:
أخبرني عن الطواف بين الصفا و المروة راكبا، أسنة هو؟ فإن قومك يزعمون أنه سنة. قال:
«صدقوا و كذبوا»، قال: قلت: ما قولك صدقوا و كذبوا قال: إن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- كثر عليه الناس يقولون: هذا محمد، حتى خرج عليه العواتق من البيوت قال: و كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- لا يضرب الناس بين يديه، قال: فلما كثر عليه الناس ركب، و المشي أفضل.
قلت: «و في حديث يعلى بن أمية عند الإمام أحمد أنه رأى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- مضطبعا بين الصفا و المروة ببرد نجراني» [٢].
و روى النسائي و الطبراني برجال الصحيح، عن أم ولد شيبة بن عثمان «أنها أبصرت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و هو يسعى بين الصفا و المروة و هو يقول: «لا يقطع الأبطح إلا شدّا» [٣].
[١] أحمد ٣/ ٣٢٠.
[٢] أحمد ٤/ ٢٢٣.
[٣] النسائي ٥/ ١٩٤ و الطبراني في الكبير قال الهيثمي ٣/ ٢٤٨ رجاله رجال الصحيح.