سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٦٤ - ذكر نزوله- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- بذي طوى، و دخوله مكة، و طوافه و سعيه
و كان يسرع مشيه، و يقارب بين خطاه و اضطبع بردائه فجعله على أحد كتفيه، و أبدى كتفه الآخر، و منكبه، و كلما حاذى الحجر الأسود أشار إليه و استلمه بمحجنه و قبّل المحجن، و هو عصا محنيّة الرأس.
و ثبت عنه: أنه استلم الركن اليماني، و لم يثبت عنه أنه قبّله، و لا قبّل يده حين استلامه.
و قول ابن عباس كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- يقبّل الركن اليماني، و يضع خدّه عليه، رواه الدارقطني، من طريق عبد اللّه بن مسلم بن هرمز.
قال ابن القيم: «المراد بالركن اليماني ها هنا الحجر الأسود، فإنه يسمى الركن اليماني مع الركن الآخر يقال لهما: اليمانيان، و يقال له مع الركن الذي يلي الحجر من ناحية الباب العراقيان، و يقال للركنين اللذين يليان الحجر الشاميان، و يقال للركن اليماني، و الذي يلي الحجر من ظهر الكعبة الغربيان، و لكن ثبت عنه أنه قبل الحجر الأسود، و ثبت عنه أنه استلمه بيده، فوضع يده عليه ثم قبّلها.
و ثبت عنه: أنه استلمه بمحجنه، فهذه ثلاث صفات.
و روي عنه «أنه وضع شفته عليه طويلا يبكي».
و روى الطبراني بإسناد جيد أنه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- كان إذا استلم الركن اليماني قال: بسم اللّه، و اللّه أكبر، و كان كلما أتى الحجر الأسود، قال: «اللّه أكبر».
و روى أبو داود الطيالسي، عن عمر بن الخطاب- رضي اللّه تعالى عنه- أن رسول اللّه قبّل الركن، ثم سجد عليه، ثم قبّله، ثم سجد عليه، ثلاث مرات، و لم يمس من الركنين إلا اليمانيين فقط.
قلت: «و استسقى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و هو في طوافه». رواه الطبراني، عن العباس، و في سنده رجل لم يسم، و اللّه تعالى أعلم [١].
فلما فرغ من طوافه جاء إلى خلف المقام، فقرأ وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى فصلى ركعتين- و المقام بينه و بين البيت- قرأ فيهما بعد الفاتحة: بسورة الإخلاص، و قراءته الآية المذكورة. قلت في حديث جابر: «أنه قرأ فيهما قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ و قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ و اللّه تعالى أعلم. فلما فرغ من صلاته أقبل إلى الحجر الأسود فاستلمه ثم خرج إلى الصفا من الباب الذي يقابله، فلما دنا منه قرأ إِنَّ الصَّفا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ أبدأ بما بدأ اللّه به». و
في رواية النسائي: «ابدأوا» على الأمر ثم رقى عليه حتى إذا رأى البيت فاستقبل
[١] الطبراني في الكبير المجمع ٣/ ٢٤٦.