سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٦٣ - ذكر نزوله- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- بذي طوى، و دخوله مكة، و طوافه و سعيه
الوداع فلعل ركوبه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- كان في أحد الأخيرين، أو في كليهما، فأما الأول: و هو طواف القدوم فكان ماشيا فيه، و قد نص على هذا الإمام الشافعي- رضي اللّه تعالى عنه- و الدليل على ذلك ما رواه البيهقي بإسناد جيد، عن جابر- رضي اللّه تعالى عنه- قال: «دخلنا مكة عند ارتفاع الضحى، فأتى النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- باب المسجد فأناخ راحلته، ثم دخل المسجد فبدأ بالحجر فاستلمه، و فاضت عيناه بالبكاء، ثمن رمل ثلاثا، و مشى أربعا، حتى فرغ يقبل الحجر، و وضع يديه عليه و مسح بهما وجهه».
قال ابن القيم: و حديث ابن عباس إن كان محفوظا فهي في إحدى عمره، و إلا فقد صح عنه: الرمل في الثلاثة الأول من طواف القدوم، إلا أن يقول كما قال ابن حزم في السعي:
إنه رمل على بعيره، فقد رمل لكن ليس في شيء من الأحاديث أنه كان راكبا في طواف القدوم.
فلما حاذى- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- الحجر الأول استلمه، و لم يزاحم عليه قلت: و
قال لعمر: «يا عمر إنك رجل قوي لا تزاحم على الحجر تؤذي الضعيف إن وجدت خلوة فاستلمه، و إلا فاستقبله و هلّل و كبّر» رواه الإمام أحمد و غيره
و اللّه تعالى أعلم [١].
قال: و لم يتقدم عنه إلى جهة الركن اليماني، و لم يرفع يديه، و لم يقل: نويت بطوافي هذا الأسبوع، كذا و كذا و لا افتتحه بالتكبير، كما يكبر للصلاة كما يفعله من لا علم عنده، بل هو من البدع المنكرات، و لا حاذى الحجر الأسود بجميع يديه، ثم انفتل عنه و جعله على شقه، بل و استقبله، و استلمه، ثم أخذ على يمينه و جعل البيت على يساره و لم يدع عند الباب بدعاء، و لا تحت الميزاب، و لا عند ظهر الكعبة و أركانها و لا وقت الطواف ذكرا معينا، لا بفعله و لا تعليمه، بل حفظ عنه بين الركنين رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَ قِنا عَذابَ النَّارِ.
قلت: و روى ابن سعد، عن عبد اللّه بن السائب- رضي اللّه تعالى عنه- قال: كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- يقول بين الركنين: اليماني، و الحجر الأسود رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَ قِنا عَذابَ النَّارِ [٢].
و رمل- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- في طوافه هذا الثلاثة الأشواط، الأول قلت: «من الحجر إلى الحجر» رواه الإمام أحمد، و أبو يعلى [٣].
[١] أحمد ١/ ٢٨.
[٢] الطبقات ٢/ ١٢٨.
[٣] انظر المجمع ٣/ ٢٣٩.