سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٥٦ - الباب الثالث في حزنه و بكائه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- إذا مات أحد من أصحابه
إبراهيم فقبّله و شمّه، ثم دخلنا عليه بعد ذلك و إبراهيم يجود بنفسه، فجعلت عينا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- تذرفان، فقال ابن عوف: و أنت يا رسول اللّه، فقال يا ابن عوف: «إنها رحمة» ثم أتبعها بأخرى، فقال: «إن العين تدمع، و إنّ القلب يخشع، و لا نقول إلّا ما يرضي ربنا- عز و جل-، و إنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون» [١].
و روى الشيخان، و الإمام أحمد، و أبو داود، و النسائي، و البيهقي عنه قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-: «أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب»، و إنّ عيني رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- لتذرفان الحديث [٢].
و روى أحمد بن منيع بسند على شرط الصحيحين عن قيس بن أبي حازم- (رحمه اللّه تعالى)- قال: جاء أسامة بن زيد- رضي اللّه تعالى عنهما- بعد قتل أبيه، فقام بين يدي رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- فدمعت عينا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- فجاء من الغد فقام في مقامه ذلك، فقال له رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم): «ألاقي أنا منك اليوم ما لقيت منك أمس» [٣].
و روى ابن ماجة، و أبو يعلى الموصلي، عن عائشة- رضي اللّه تعالى عنها- قالت: لما وجع سعد، و جدّ به الموت، فبكى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و أبو بكر، و عمر، حتى إني لأعرف بكاء أبي بكر من بكاء عمر، و أنا أبكي، و كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- تذرف عيناه، و يمسح وجهه، و لا يسمع صوته.
و روى البخاري، عن أنس- رضي اللّه تعالى عنه- قال: «شهدنا بنتا لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- جالس على القبر فرأيت عينيه تدمعان» [٤].
و روى ابن سعد، و ابن أبي شيبة، عن عائشة- رضي اللّه تعالى عنها- قالت: كان عينا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- لا تدمع على أحد، و لكن كان إذا وجد فإنما هو آخذ بلحيته» [٥].
و روى الطبراني- مرسلا- برجال ثقات، عن أبي النضر سالم- (رحمه اللّه تعالى)- قال: دخل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- على عثمان بن مظعون، و هو يموت، فأمر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- بثوب فسجّي عليه، و كان عثمان نازلا على امرأة من الأنصار، و يقال لها: أم معاذ قالت: فمكث رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- مكبا عليه طويلا، و أصحابه معه ثم تنحى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- فبكى، فلما بكى بكى أهل البيت، فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- «رحمك اللّه أبا السائب» [٦].
[١] أخرجه البخاري ٣/ ١٧٢- ١٧٣ (١٣٠٣) و مسلم ٤/ ١٨٠٧- ١٨٠٨ (٦٢/ ٢٣١٥).
[٢] أخرجه البخاري ٢/ ١٥٩ (١٢٤٦) و أحمد ٣/ ١١٣ و أبو داود و البيهقي ٨/ ١٥٤ و الحاكم في المستدرك ٣/ ٤٢.
[٣] أخرجه ابن سعد في الطبقات ٤/ ٤٧.
[٤] أخرجه البخاري ٢/ ١٧٢ (١٢٨٥).
[٥] أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ٣/ ٣٩٤.
[٦] ذكره الهيثمي في المجمع ٣/ ٢١ و عزاه للطبراني في الكبير و هو مرسل و رجاله ثقات.