الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٣٢٥ - ذكر فتح مصر
عنها، فقيل: إنها من مصر، فدعا بالكتاب فقرأه، فإذا فيه: أن انصرف بمن معك من المسلمين، فقال لمن حوله: أ لستم تعلمون أن هذه من مصر؟ قالوا: بلى، قال: فإن أمير المؤمنين عهد إلىّ و أمرنى إن لحقنى كتابه و لم أدخل أرض مصر أن أرجع، و لم يلحقنى كتابه حتى دخلت أرض مصر، فسيروا على بركة الله.
و يقال: بل كان عمرو بن العاص بفلسطين، فتقدم فى أصحابه إلى مصر بغير إذن، فكتب إليه عمر ينكر ذلك عليه، فجاءه كتابه و هو دون العريش، عريش مصر، فلم يقرأ الكتاب حتى بلغ العريش فقرأه، فإذا فيه:
من عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص، أما بعد، فإنك سرت إلى مصر بمن معك، و بها جموع الروم، و إنما معك نفر يسير، و لعمرى لو كانوا ثكل أمك ما سرت بهم، فإن لم تكن بلغت مصر فارجع.
فقال عمرو: الحمد لله، أية أرض هذه؟ قالوا: من مصر، فتقدم كما هو.
و يقال: بل كان عمرو فى جنده على قيسارية مع كل من كان بها من أجناد المسلمين، و عمر بن الخطاب إذ ذاك بالجابية، فكتب سرا و استأذن إلى مصر، و أمر أصحابه فتنحوا كالقوم الذين يريدون أن يتجولوا من منزل إلى منزل قريب، ثم سار بهم ليلا، فلما فقده أمراء الأجناد استنكروا الذي فعل، و رأوا أنه قد غرر، فرفعوا ذلك إلى عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، فكتب إليه عمر:
«أما بعد، فإنك قد غررت بمن معك، فإن أدركك كتابى و لم تدخل مصر فارجع، و إن أدركك كتابى و قد دخلت فامض، و اعلم أنى ممدك».
و يقال: إن عمر كتب إلى عمرو بعد ما فتح الشام: أن اندب الناس إلى المسير معك إلى مصر، فمن خف معك فسر به. و بعث به مع شريك بن عبدة، فندبهم عمرو، فأسرعوا إلى الخروج معه، ثم إن عثمان بن عفان دخل على عمر، فذكر له عمر ما كتب به إلى عمرو، فقال عثمان: يا أمير المؤمنين، إن عمرا له جرأة، و فيه إقدام و حب للإمارة، فأخشى أن يخرج فى غير ثقة و لا جماعة، فيعرض المسلمين للهلكة، رجاء فرصة لا يدرى أ تكون أم لا. فندم عمر على كتابه إشفاقا مما قال عثمان، فكتب إلى عمرو يأمره بنحو ما تقدم من الرجوع إن لم يكن دخل مصر، و المضى لوجهه إن كان دخلها.
فسار عمرو فى طريقه قاصدا مصر، فلما بلغ المقوقس ذلك توجه نحو الفسطاط يجهز