الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ١٣١ - ذكر تقديم خالد بن الوليد الطلائع أمامه من البطاح
فأمر به فقطع. و كلما قال له: أتشهد أنى رسول الله، قال: لا أسمع، فإذا قال له: أتشهد أن محمدا رسول الله، قال: نعم، حتى قطعه عضوا عضوا، حتى قطع يديه من المنكبين و رجليه من الوركين، ثم حرقه بالنار، و هو كل ذلك لا ينزع عن قوله، و لا يرجع عن ما بدأ به، حتى مات فى النار، (رحمه الله).
فلما تهيأ بعث خالد بن الوليد إلى اليمامة جاءت أم عمارة إلى أبى بكر الصديق رضى الله عنه، فاستأذنته فى الخروج، فقال لها أبو بكر: ما مثلك يحال بينه و بين الخروج، قد عرفناك و عرفنا جزاءك فى الحرب، فاخرجى على اسم الله.
قالت فيما حدث به عنها ابن ابنها عباد بن تميم بن زيد: فلما انتهوا إلى اليمامة، و اقتتلوا، تداعت الأنصار: أخلصونا، فأخلصوا، فلما انتهينا إلى الحديقة ازدحمنا على الباب، و أهل النجدة من عدونا فى الحديقة، قد انحازوا، يكونون فئة لمسيلمة، فاقتحمنا فضاربناهم ساعة، و الله يا بنى ما رأيت أبذل لمهج أنفسهم منهم، و جعلت أقصد لعدو الله مسيلمة لأن أراه، و قد عاهدت الله لئن رأيته لا أكذب عنه أو أقتل دونه، و جعلت الرجال تختلط، و السيوف بينهم تختلف، و خرص القوم، فلا صوت إلا وقع السيوف، حتى بصرت بعدو الله فأشد عليه، و يعرض لى منهم رجل، فضرب يدى فقطعها، فو الله ما عرجت عليها حتى أنتهي إلى الخبيث و هو صريع، و أجد ابنى عبد الله قد قتله.
و فى رواية: و ابنى يمسح سيفه بثيابه، فقلت: أ قتلته؟ قال: نعم يا أمه، فسجدت لله شكرا، و قطع الله دابرهم، فلما انقطعت الحرب، و رجعت إلى منزلى، جاءنى خالد بن الوليد بطبيب من العرب، فداوانى بالزيت المغلى، و كان و الله أشد علىّ من القطع، و كان خالد كثير التعاهد لى، حسن الصحبة لنا، يعرف لنا حقنا، و يحفظ فينا وصية نبينا (صلى اللّه عليه و سلم)، قال عباد: فقلت: يا جدة، كثرت الجراح فى المسلمين؟ فقالت: يا بنى، لقد تحاجز الناس، و قتل عدو الله، و إن المسلمين لجرحى كلهم، لقد رأيت بنى أبى مجرحين، ما بهم حركة، و لقد رأيت بنى مالك بن النجار بضعة عشر رجلا، لهم أنين يكمدون ليلتهم بالنار.
و لقد أقام الناس باليمامة خمس عشرة ليلة، و قد وضعت الحرب أوزارها، و ما يصلى مع خالد بن الوليد من المهاجرين و الأنصار إلا نفر يسير من الجراح، و ذلك أنا أتينا من قبل العرب، انهزموا بالمسلمين، إلا أنى أعلم أن طيئا قد أبلت يومئذ بلاء حسنا، لقد رأيت عدى بن حاتم يومئذ يصيح بهم: صبرا، فداكم أبى و أمى لوقع الأسل، و إن ابنى زيد الخيل يومئذ ليقاتلان قتالا شديدا.