الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٣٢٤ - ذكر فتح مصر
و وافق دخول الإسكندرية عيدا فيها عظيما، يجتمع فيه ملوكهم و أشرافهم، و لهم أكرة من ذهب مكللة يترامى بها ملوكهم و يتلقونها بأكمامهم، و فيما اختبروا منها على ما وضعها من مضى منهم أنه من وقعت فى كمه و استقرت فيه لم يمت حتى يملكهم.
و أكرم الشماس عمرا الإكرام كله، و كساه ثوب ديباج ألبسه إياه، و جلس معه فى ذلك المجلس مع الناس حيث يترامون بالأكرة و هم يتلقونها بأكمامهم، فرمى بها رجل منهم، فأقبلت تهوى حتى وقعت فى كم عمرو، فعجبوا من ذلك، و قالوا: ما كذبتنا هذه الأكرة قط إلا هذه المرة، أ ترى هذا الأعرابى يملكنا؟ هذا ما لا يكون أبدا.
و إن ذلك الشماس مشى فى أهل الإسكندرية، و أعلمهم بأن عمرا أحياه مرتين، و أنه ضمن له ألفى دينار، و سألهم أن يجمعوا ذلك له فيما بينهم، ففعلوا و دفعوها إلى عمرو، فانطلق هو و صاحبه، و بعث معهما الشماس دليلا و رسولا، و زودهما و أكرمهما، حتى رجعا إلى أصحابهما، فدفع إليهم عمرو فيما بينهم ألف دينار، و أمسك لنفسه ألفا.
قال: فكان أول مال اعتقدته و تأثلته.
فبذلك ما عرف عمرو مدخل مصر و مخرجها، و رأى فيها ما علم به أنها أفضل البلاد و أكثره مالا.
فلما قدم عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، الجابية خلا به عمرو، و قال: يا أمير المؤمنين ائذن لى فأسير إلى أرض مصر، فإنك إن فتحتها كانت قوة للمسلمين و عونا لهم، و هى أكثر الأرضين أموالا، و أعجزه عن القتال، فتخوف عمر و كره ذلك، فلم يزل عمرو بن العاص يعظم أمرها فى نفسه و يخبره بحالها، و يهون عليه فتحها، حتى ركن لذلك عمر، فعقد له على أربعة آلاف رجل، كلهم من عك، و قال: سيروا و أنا مستخير الله فى مسيرك، و سيأتيك كتابى سريعا، فإن لحقك كتابى آمرك فيه بالانصراف فانصرف، و إن دخلتها قبل أن يأتيك كتابى ثم جاءك فامض لوجهتك، و استعن بالله فاستنصره.
فمضى عمرو من جوف الليل، و لم يشعر به أحد من الناس، و استخار عمر ربه، فكأنه تخوف على المسلمين فى وجههم ذلك، فكتب إلى عمرو بن العاص: أن انصرف بمن معك من المسلمين إن أدركك كتابى قبل أن تدخل مصر، فأدرك الكتاب عمرا و هو برفح، فتخوف إن هو أخذه فقرأه أن يجد فيه الانصراف كما عهد إليه عمر، فلم يأخذ الكتاب من الرسول، و سار كما هو حتى مر بقرية صغيرة فيما بين رفح و العريش، فسأل