المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٩ - كتابة إلى إسحاق بن إبراهيم بامتحان القضاة
يرجع في الدين من ضرره ما ينال [١] المسلمين من القول في القرآن، فقد تزيّن في عقول أقوام أنه ليس بمخلوق، فضاهوا قول النصارى في عيسى إنه ليس/ بمخلوق ١٠/ ب و اللَّه تعالى يقول: إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا [٢] و تأويل ذلك: إنا خلقناه، كما قال وَ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها [٣].
و قال: وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً وَ جَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً [٤] وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍ [٥].
و قال: فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [٦] فدلّ على إحاطة اللوح بالقرآن، و لا يحاط إلا بمخلوق.
و قال: ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ [٧].
و قال: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ [٨] فجعل له أولا و آخرا، فدلّ على أنه محدود مخلوق.
و قد عظّم هؤلاء الجهلة بقولهم في القرآن الثّلم في دينهم، و سهّلوا السبيل لعدوّ الإسلام، و اعترفوا بالتبديل و الإلحاد على أنفسهم [٩]، حتى وصفوا خلق اللَّه و أفعاله [١٠] بالصّفة التي هي للَّه عز و جل وحده، و شبهوه [١١] به و الاشتباه أولى بخلقه [١٢]، و ليس يرى أمير المؤمنين لمن قال بهذه المقالة حظّا في الدّين، و لا نصيبا من الإيمان [و اليقين] [١٣] و لا يرى أن يحلّ أحدا منهم [١٤] محلّ الثقة في أمانة، و لا عدالة و لا شهادة، و لا تولية لشيء من أمر [١٥] الرّعيّة، و إن ظهر قصد بعضهم، و عرف بالسداد مسدّد فيهم، فإن الفروع مردودة إلى أصولها، و محمولة في الحمد و الذمّ عليها، و من كان جاهلا بأمر دينه
[١] في الأصل: «من صدره ما ينال».
[٢] سورة: الزخرف، الآية: ٣.
[٣] سورة: الأعراف، الآية: ١٨٩.
[٤] سورة: النبأ، الآية: ١١.
[٥] سورة: الأنبياء، الآية: ٣٠.
[٦] سورة: البروج، الآية: ٢٢.
[٧] سورة: الأنبياء، الآية: ٢.
[٨] سورة: فصلت، الآية: ٤٢.
[٩] في الطبري: «على قلوبهم» و في إحدى نسخه: «أنفسهم».
[١٠] في الطبري: «و فعله».
[١١] في الأصل: «و شبهوا».
[١٢] في الأصل: «لا تلحقه». و في ت: «بلحقه».
[١٣] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل.
[١٤] في الأصل ت: «كل أحد منهم».
[١٥] «أمر» ساقطة من ت.