موسوعة التاريخ الاسلامي - اليوسفي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٩٦ - الكشف عن مسلم و قتاله
و كان يعلم ابن زياد أنّ كل قوم يكرهون أن يصاب فيهم مثل ابن عقيل فلم يبعث معه من كندة، بل بعث صاحبه الشامي بكير بن حمران الأحمري إلى صاحب رايته عمرو بن حريث: أن ابعث مع ابن الأشعث سبعين رجلا من قيس! فدعا عمرو المخزومي بعمرو السلمي و بعث معه بسبعين فارسا من قيس مع ابن الأشعث إلى دار مولاتهم طوعة التي فيها ابن عقيل، و معهم بكير الأحمري الشامي.
فلمّا قربوا منه سمع وقع الخيل و أصوات الرجال فعرف أنّهم أتوه و اقتحموا الدار عليه، فخرج إليهم بسيفه و شدّ عليهم حتى أخرجهم منه، و عادوا إليه فشدّ عليهم كذلك. فشدّ عليه بكير الأحمري بسيفه على وجهه فقطع شفته و ثناياه العليا، و ضربه مسلم على رأسه و أخرى على حبل عاتقه فجرحتاه و لم يقتل.
و أشرفوا على مسلم من فوق البيوت يلهبون النار في أحزمة القصب و يرمونه بها و بالحجارة!فخرج بسيفه إلى السكّة. فناداه ابن الأشعث: يا فتى!لك الأمان لا تقتل نفسك!فأجابهم مرتجزا:
أقسمت لا اقتل إلاّ حرّا # و إن رأيت الموت شيئا نكرا
كل امرئ يوما ملاق شرّا # و يخلط البارد سخنا مرّا
ردّ شعاع النفس فاستقرّا [١] # أخاف أن أخدع أو أغرّا
فناداه ابن الأشعث: إنّك لا تكذب و لا تخدع و لا تغرّ!فإن القوم بنو عمّك! و ليسوا بقاتليك و لا ضائريك!و كان يقاتل فعجز عن القتال مما اثخن جراحا بالحجارة!فأسند ظهره إلى حائط تلك الدار، فدنا منه ابن الأشعث و كرّر عليه القول: لك الأمان!فقال مسلم: أنا آمن؟!قال: نعم و قال من معه: نعم أنت آمن!
[١] يعني كانت نفسه متبدّدة خوفا كالشعاع ثمّ ردت فاستقرت و اطمأنت إلى الشهادة.